الاعلامية اللبنانية رويدة مروة تكتب: الملك والصحراء التي قد تضيع

الاعلامية اللبنانية رويدة مروة تكتب: الملك والصحراء التي قد تضيع

رويدا-مروهكثر استخدام كلمة “الصحراء” في خطابات الملك محمد السادس مؤخرا وكثرت في خطابات الرجل الاشارات التي تؤكد ان القضية دخلت مرحلة الحسم والقلق! ليس جديدا على مضامين الخطابات الملكية منذ ايام الراحل الحسن الثاني وصولا الى عهد محمد السادس ان تتمحور فقرة او اكثر من مجمل الخطاب حول الوضع الراهن للصحراء سواء على مستوى الاعلان عن خطوات تتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المنطقة او على مستوى مسار المفاوضات الاممية حول النزاع على الارض او على مستوى الاحداث السياسية والامنية التي تعصف بالملف بين الحين والآخر…

فما الجديد اذا الذي يجعل المتابعين والمراقبين للملف يعتبرون ان آخر خطابين للملك محمد السادس في مناسبات وطنية شعبية متتالية يشكل اعلانا غير مباشر عن انتقال ملف الصحراء الى مرحلة الخطر يليها مرحلة الحسم في وقت لاحق وسط تساؤلات عن الجهة التي سيحسم الملف لصالحها!؟… وهل يرسل القصر فعلا رسائل استباقية للشعب عن خسارة ما قد تلحق بالمغرب في صحرائه!؟

من يراجع بدقة الخطابين الاخير للملك يلاحظ بما لا يحتمل الشك ان عدد الفقرات التي تفصّل الحديث عن الصحراء زادت عدديا وانّ اللهجة المستعملة في كتابة هذه الفقرات اصبحت اكثر جرأة في تسمية معوقات مسار الملف من وجهة نظر للنظام المغربي واكثر دقةّ” في تحميل مسؤولية اي خطأ في ادارة الملف داخليا وخارجيا من اي وقت مضى لمن يقع عليه اللوم!

فلو عدنا مثلا للوراء الى الخطابات الملكية التي رافقت وتلت احداث مخيم اكديم ايزيك الذي يعتبر من اخطر الاحداث الامنية والسياسية والحقوقية التي عصفت بقوّة في ملف الصحراء منذ اطلاق المغرب مقترح الحكم الذاتي في العام 2007 وترحيب المجتمع الدولي والامم المتحدة بالمقتراح واحدثت ضجة محلية ودولية حول الملف لرأينا ان مضمون تلك الخطابات لم تكن تخصص مساحات “كلام” كثيرة عن الحدث بقدر الاعلان عن اهتمام القصر بالحدث نفسه!! في حين ان السياسات المعتمدة لدى القصر والحكومة وقتها كانت تتولى حسم مسار الاحداث بدل اعطاء مساحة كلامية عن الملف في الخطابات! بمعنى آخر ان الافعال كانت سيدة الموقف حينها وليس التصريحات المكثفة ! أضف الى ذلك انّ لهجة تلك الخطابات لم تكن “قاسية” و”حاسمة” بقدر ما كانت خطوات القصر والحكومة نفسها حاسمة على ارض الواقع وتجسد ذلك بتوقيف المتورطين في الملف بعد ايام من فك المخيم وصولا الى محاكمة المتهمين عسكريا مطلع هذا العام!

اليوم اصبحت الخطابات الملكية اكثر قدرة في تصويب الامور نحو اهدافها والدليل الاخير على هذا التصويب جاء قبل ساعات قليلة عندما اهتمت معظم وسائل الاعلام العربية والاجنبية بمضمون خطاب الملك الاخير بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء ! هذا الاهتمام الاعلامي بالخطاب لم يكن لأجل “عيون” المغرب ولا ارضاء” للقصر بل لأن “نبرة” الخطاب فرضت نفسها على ساحة النقاش الاعلامي خارج المملكة بقوّة الاتهامات التي وجهها الملك لاطراف واشخاص معينين متورطين بإفساد صورة المغرب والقضية وفق ما قال!

كثرت التحليلات داخل المغرب وخارجه منذ يومين لمضامين للخطاب الاخير ولذلك لن اتناول هنا ما قيل من تحليلات حملت الكثير من القراءات الجيّدة للخطاب وانتشرت سريعا عبر وسائل التواصل الاجتماعية كما الاعلامية منها بل سأعمد الى تحليل الاسباب التي جعلت القصر مؤخرا يتخذ قرارا “داخليا” برفع وتيرة التصعيد الخطابي نحو اطراف داخلية وخارجية في ما يخص قضية الصحراء المغربية! هذا الجانب الذي غاب عن بال المراقبين والمحللين للخطاب الاخير…

أولا ان القلق الذي عاشه القصر في ابريل هذا العام مع اقتراح بعثة الولايات المتحدة الاميركية مسودة قرار كادت ان تجد طريقها نحو التصويت على طاولة مجلس الامن تتضمن توسيع مهمة بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان في الاقاليم الجنوبية في المملكة جعل القصر يكتشف امرين مهمين… الامر الاول ان لا صديق دولي حقيقي للمغرب في قضية الصحراء الا ذلك الصديق الذي لا يتوقع شيئا من المغرب مقابل وقوفه الى جانبه في حقه في صحرائه! وهذا الصديق حتما لم يعد موجودا والدليل ان هذا النوع من الاصدقاء عوّلت عليه انظمة عربية كثيرة ثم خذلها مع بداية ما سمي بالربيع العربي!!! وهذا بالفعل ما تبين انه غير موجود نهائيا ولا ينطبق لا على فرنسا ولا اميركا ولا اسبانيا في حالة المغربة ولا اي دولة اخرى لديها نفوذ في مجلس الامن والمجتمع الدولي! يومها اي في ابريل حاول القصر ان يعوّل على الداخل عبر “سلاح” الدبوماسية الموازية “الناعم” الذي اطلقه منذ العام 2007 مع اطلاق حملة دبلوماسية رسمية وقتها لمقترح الحكم الذاتي لكن القصر اكتشف ان منظمات المجتمع المدني “الناشطة” في ملف الصحراء تنتظر هي بدورها اشارات منه لتتحرك وانها لن تسند “ظهر” القصر في حماية مصالح المغرب وحقه في صحرائه بدون تلقيها تعليمات من القصر ! وانطبق على علاقة القصر بالجمعيات المثل المصري الشهير”جيتك ياعبد المعين تعين .. لقيتك يا عبد المعين تُعان “!!…

فما كان من القصر الا ان لجأ الى البحث عن امل “مفقود” منذ زمن بين الاحزاب المغربية التي تشارك في حكومات وبرلمانات ومجالس محلية بكثافة وحيوية علّها فيها “الخير” في دعم الموقف الرسمي للمغرب فكانت الصدمة الكبرى التي نزلت كالصاعقة على القصر انه حتى الامين العام لاكبر الاحزاب المغربية لديهم عبارة واحدة يرددونها على اسماع الشعب “نحن مع سيدنا دائما”… نسي هؤلاء ان “سيدنا” هذه المرة يريد مقترحات ومبادرات وافعال منهم تخدم القضية التي من المفترض انها قضية الشعب والاحزاب الممثلة لهذا الشعب! عندها فقط طوى القصر “أمله” الضعيف بالاحزاب والجمعيات المغربية في ما يخص دفع عجلة الملف لصالح المغرب دوليا وهذا الامر الثاني الذي تعلمه القصر من محنة “ابريل” الشهيرة! فداخليا لا احد محتاج “بركات” الاحزاب والجمعيات لاقناع الشعب بمغربية الصحراء وعدالة القضية والحق!

ثانيا ان القصر استطاع مؤخرا “لمس” ارتفاع عجلة البروباغندا الخاصة بالبوليساريو وحليفتها الجزائر (النظام الجزائري حصرا لان الشعب الجزائري بلاه الله بنظام جمهوري عسكري ابدي فرض عليه قضية لا علاقة له بها) تمثلت بالتدخل العلني السافر للنظام الجزائري بمقترحات ونصائح حول ادارة المغرب لملف الصحراء وتدبير ملف حقوق الانسان في الصحراء… من قبل كنا نرى ابواق اعلام جزائرية تتولى مهمة النطق الرسمي باسم النظام الجزائري للاعلان عن مواقفه ليحافظ على ماء الوجه في ايهامه العالم ان الجزائلا ليست طرفا في النزاع… اما اليوم فالجزائلر تخلت عن “الماء” و “الوجه” معا وتولت بنفسها وعلى لسان رئيسها اعلان نفسها طرفا في النزاع و”مرشدا” اعلى للمغرب في حقوق الانسان!

ثالثا ومن منظار حقوقي لا يمكن ان يكون هناك انتهاك “صغير” وآخر “كبير” لحق الانسان بالنسبة لاي ناشط ومهتم بحقوق الانسان! فالحق هو الحق والانسان قيمة مطلقة بحد ذاته ومع ذلك علينا ان نعترف ان فيديو مفبرك لصحراوي يدعي ضرب قوات الامن المغربية له ينتشر على اليوتيوب اسرع من انتشار خبر تعزيز الحكومة لقدرات الف امراة صحراوية متوسطة الدخل في الاقاليم الجنوبية مثثلا! وعلينا ان نضحك كثيرا بل سنقع على الارض من كثرة الضحك والمشهد الهزلي الموجود في صور منظمات دولية المفترض ان تلتزم الحياد في تحقيقها في انتهاكات حقوق الانسان في اماكن النزاعات تسمح لمحققيها ان يناموا ويعيشوا في بيوت اطراف النزاع الذي يحققون فيه ويكتبون تقاريرهم في هذه البيوت ويستخدمون شبكة انترنت (WIFI)خاضعة لتجسس هذه المنازل ثم على المغرب ان يتحمل فوق ذلك جمعيات محلية تتبنى تلك التقارير للمنظمات الدولية وترفع اوراق حمراء جاهزة التوقيت مسبقا بوجه المغرب في الداخل والخارج!… والأنكى انه لاحقا بعد ان يتبين عدم صحة التقارير وعدم حيادية هذه المنظمات الدولية والمحلية في اداعاءاتها لا يخرج التوضيح الا كخبر ثانوي لدى بعض المواقع!… هذا الواقع المستفز جعل القصر يعلم مسبقا انه يخوض الان حرب اعلامية من الطراز الرفيع “الفبركة” وسباق “توضيح” و”نفي” للادعاءات المحيطة بالملف اكثر مما يخوض سباق تنمية وتطوير اقتصادي واجتماعي وسياسي في الاقاليم الجنوبية كما كان يتصور منذ المسيرة الخضراء وحتى اليوم!!!

ولكن الا يحق لنا ان نتساءل ماذا كانت تفعل اللجان المؤلفة من دبلوماسيين مغاربة ولجان داخل القصر شكلت قنوات اتصال وتنسيق بين الخارجية والداخلية والقصر لسنوات عن هذا الواقع!!! هل صمتوا عن إخبار الملك بهذا الواقع ام ان عجزهم عن ايجاد حلول مواجهة جديرة بمعالجة هذا الواقع دفعهم للتقليل امام الملك من خطورة هذا الواقع!!؟ أم ان سيناريو توريط الملك في “مشاكل” اللحظة الاخيرة اصبح سائدا في البلاد كما حصل مع قضية العفو عن دانييل… تساؤل مشروع جدا!!!

رابعا يحق لمراقب للملف ان يستغرب كيف ان هذا النزاع عاش اكثر من ثلاثة عقود مصنفا بين الستة عشر نزاع دولي عالميا كنزاع “مجّمد” يسير بسرعة “السلحفاة” في تحريك عجلات الحل والحسم ثم فجأة” ومنذ بداية النصف الثاني من هذا العام اصبحت ملامح الحسم الدولي والاقليمي ظاهرة بشكل متسارع ومتزايد على السطح!!! ولا شك ان اشارات هذه المرحلة الحاسمة من عمر الملف الطويل جدا كانت موجودة قبل اعوام قليلة وتحديدا منذ بداية الربيع العربي ولكن السياسة

المغربية تجاه الملف كانت تؤجل أخذ التطورات الحاصلة في الملف على محمل يدفعها لتغيير سياسة “الدفاع” عن الحق نحو الهجوم لانتزاع الحق!!! فما من محفل دولي واقليمي واممي تشارك فيه حول الصحراء والا تسمع “همسات” بين المهتمين بالملف ان المغرب يخشى الهجوم في هذا الملف بمعنى انه يخشى فتح جبهات مواجهة في عواصم بروباغندا البوليساريو ضعيفة مثلا كي لا يعمد الطرف الآخر للتصعيد وبذلك عندما تأتي “الضربة” على المغرب ما موجهة من البوليساريو يتحرك المغرب رسميا عبر اجهزته العاملة على الملف لرّد الضربة وغالبا يكون الوقت قد تأخر!

خامسا مع بداية هذا الصيف تحدثت مصادر رسمية عليا في البلاد في أروقة القصر بعيدا عن الاعلام عن نقلة نوعية ستشهدها الدبلوماسية المغربية في معاجلة هذا الملف! انها “الصحوة” على الطريقة الرسمية والتي قالوا انها ستبدأ باعتماد رؤية دبلوماسية جديدة للملف ستبدأ بتصعيد الخطاب المغربي الرسمي بوجه كل طرف يدعم البوليساريو ويروّج لروايات لا تتفق مع واقع الرواية الرسمية للمغرب حول ملف حقوق الانسان لديه!!! التصعيد اذا هو اولى مراحل الدبلوماسية الجديدة وها نحن نراها اليوم ولكن يبقى الجانب الاهم في الدبلوماسية الجديدة فاقدا للكثير من ادواته! فأدوات التنفيذ والتطبيق لاي خريطة تحرّك سترسمها الخارجية بالتعاون مع القصر هم الاشخاص لا الخطط على الورق!!! انها اصوات الشعب في الداخل والخارج التي ستكون سلاحا ناعما بيد البدلوماسية الرسمية لايصال صوت المغرب للرأي العام العربي والدولي ! هؤلاء عليهم علامات استفهام كثيرة!!! بالمقابل يبدو واضحا ان الفريق الجديد الذي يكوّن واجهة الدبلوماسية المغربية في الحكومة الجديدة هم اشخاص من وسط “اللعبة” السياسية القادمة للمغرب رسميا في معالجة الملف وهم بالاحرى “اولاد الحي” القديم في لعبة السياسة المغربية!

خلاصة الأمر ان الاعلان عن السياسة الدبلوماسية الجديدة للمغرب تجاه الصحراء بدأ علنا بخطابين ملكيين اخيريين اصبحت فيهما تسمية الاشياء والاشخاص واسباب العرقلة اولوية لدى الملك شخصيا! في حين ان ادوات تنفيذ وتطبيق هذه السياسة تبقى منقوصة في ظل نقد صريح وعلني اظهره الملك قبل اشهر للاحزاب المغربية بوجه تقصيرها تجاه خدمة هذه القضية! بالمقابل فان علامات انذار خطيرة تشير ان القضية دخلت مرحلة الحسم الاولي في حين ان الشعب المغربي اصبح يشعر ان خطرا ما ينتظر مستقبل قضية وطنه الاولى وهذا ما نقلته ايضا مضامين خطابات الملك الجريئة مؤخرا!!!

انه مشهد يدفع على القلق والترّقب والانتظار من طرف الجميع الا من قبل المعنيين بالملف فانهم يرتبون اوراق عمل جديدة ستحدد مستقبل هذا الحسم لصالح اي طرف!!!

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *