هامش للديمقراطية.. الطبقة الوسطى المصرية ونموذج تديين الدولة والمجتمع

هامش للديمقراطية.. الطبقة الوسطى المصرية ونموذج تديين الدولة والمجتمع

137744710453عمرو حمزاوي

نعود إلى البدايات: إذا كان اختراق نموذج «البطل الشعبى صاحب الزى العسكرى» لوعى الطبقة الوسطى فى مصر ومخيلتها الجماعية قد دفعها فى الماضى ويدفعها اليوم مجددا إلى اختيارات غير ديمقراطية بمقتضاها تتخلى عن طلب الحرية وتقبل هيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى على الدولة والمجتمع، فإن النموذج الآخر المخترق لوعى الطبقة الوسطى، تديين الدولة والمجتمع، لم يساعدها كذلك على تطوير التزام مبدئى بقيم الديمقراطية وورط – ولم يزل – الشرائح والفئات الخاضعة لتأثيره فى رفض للتنوع وللتعددية المجتمعية وتحويل السياسة إلى ساحة صراع على الهوية.

يستند التديين، ذلك النموذج الذى تعبر عنه فكريا وتحمله تنظيميا جماعات وأحزاب اليمين الدينى، إلى مكونات شمولية صريحة. يتمثل أولها فى ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة وإخضاع الدولة والمجتمع لرؤى أحادية بشأن تمايزات الحق ــ الباطل والخير ــ الشر والصواب ــ الخطأ وثنائية الصلاح ــ الطلاح على المستوى الشعبى.

ويتعلق ثانيها بالتوظيف الزائف للخطاب الدينى (الإسلام هو الحل) وللمساحات المعرفة دينيا (دور العبادة) للزج «بالمقدس» إلى السياسة على نحو يستهدف استتباع وفرض الطاعة على المواطن الذى يلغى هنا أيضا (أى كما فى نموذج البطل الشعبى صاحب الزى العسكرى) وجوده الفردى وتنتهك حقوقه وينتقص من حرياته ويكتسب فقط صفة عضوية الشعب المطالب زيفا بالطاعة الجماعية كفعل إيمانى، كشهادة الصلاح.

ويرتبط ثالثها بنشر الخوف من التنوع وكراهية التعددية والتحريض اللفظى والمادى على المختلفين دينيا ــ مذهبيا ــ عرقيا ــ سياسيا ونزع إنسانيتهم وإلغاء حقهم الطبيعى فى التعبير الحر عن المبدأ والفكر والرأى، والتأطير القمعى لذلك فى مؤسسات الدولة وأجهزتها وفى فعاليات المجتمع بهدف الإجبار القسرى على المبدأ الواحد والفكر الواحد والرأى الواحد.

أما المكون الشمولى الرابع للتديين فينتج عن اختزال السياسة إلى صراع حدى على الهوية، الإسلام فى مواجهة الكفر وإلاصالة فى مواجهة التغريب والتقوى فى مواجهة الفساد، وعن تغييب قضايا السياسات العامة التى تحفز على البحث عن المشترك والعملى والقابل للتطبيق وتنتج بيئة فكرية وسياسية تعددية. وحين يمارس الاختزال الهوياتى للسياسة فى دول ومجتمعات تحضر بها الآليات والإجراءات الديمقراطية، فإن الأخيرة تفقد فى التحليل النهائى الكثير من المصداقية الأخلاقية وشرعية القبول الشعبى. وحين يمارس الاختزال الهوياتى للسياسة فى دول ومجتمعات توجد بها بدايات لمؤسسات تشريعية وتنفيذية منتخبة، فإن الأخيرة تفشل فى بناء شرعيتها المجتمعية المرتبطة بالإنجاز ويسهل من ثم الانقلاب عليها.

اخترق نموذج تديين الدولة والمجتمع بمكوناته الشمولية الأربعة وعى الطبقة الوسطى المصرية منذ خواتيم ستينيات القرن الماضى، وتمدد كثيرا بين شرائحها وفئاتها ونافس على الهيمنة على مخيلتهم الجماعية كعنوان بديل «للبطل الشعبى صاحب الزى العسكرى» الذى أدخلته الإخفاقات والإحباطات المتتالية فى أزمات عميقة وحد من جاذبيته جزئيا التخلى الفعلى للدولة مؤسساتها وأجهزتها عن مسئولياتها المجتمعية وسوء الأداء الاقتصادى والاجتماعى.

استبدل البعض فى الطبقة الوسطى المصرية، إذن، شمولية البطل الشعبى بسلطاته المطلقة وبهيمنة المكون العسكرى ــ الأمنى وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات بشمولية التديين التى لم يكن لها باحتكارها للحقيقة المطلقة وبالفرض القسرى والقمعى للطاعة وبرفض التنوع والتعددية إلا أن ترتب حال الوصول إلى الحكم ذات انتهاكات الحقوق والحريات ونفس استتباع المواطن وأن تسعى للسيطرة على المكون العسكرى ــ الأمنى لتوظيفه لصالحها وليس لإجباره على التزام القيم والإجراءات الديمقراطية. لم تقطع شرائح وفئات الطبقة الوسطى مسافة بعيدة للانتقال من شمولية البطل الشعبى صاحب الزى العسكرى إلى شمولية التديين، ولم تتحرج ذات الشرائح والفئات من الارتداد العكسى فى ٣ يوليو ٢٠١٣ بعد أن بدت شمولية التديين محدودة الكفاءة وعديمة الخبرة وروج لنموذج البطل الشعبى باستدعاء رومانسى ولا تاريخى لكاريزما جمال عبدالناصر وبإحياء صورة الدولة الأب ــ الدولة المركزية والبطل مطلق السلطات الذى يعد مجددا بتحقيق التقدم والعدالة والأمن وليس فى استطاعته ولا فى استطاعة المكون العسكرى ــ الأمنى ترجمة الوعد إلى واقع.

غدا هامش جديد للديمقراطية فى مصر.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *