ملف الصحراء المغربية : نحو تدبير متحرر في محيط إقليمي متغير

ملف الصحراء المغربية : نحو تدبير متحرر في محيط إقليمي متغير

abadila_maa-inayen

ليس مرادنا في هذه المداخلة الحديث عن أداء وزارة الخارجية وجهازها الدبلوماسي في ملف الصحراء، ولكن عن مقاربة الدولة له وعن ضرورة ترتيب أولويات هذه المقاربة، من أجل رسم معالم سياسة تدبيرية متحررة من الضغط الخارجي ومن اللغط الداخلي، ومستشرفة لمآل التحولات الجيوستراتيجية في المنطقة. وسوف نبسط رؤيتنا للمسألة من خلال ثلاثة محاور، نبدأها بجدلية التلازم العضوي بين هذه القضية ومقتضيات الديموقراطية والتنمية، ثم نعرج على ضرورات المرحلة، لنخلص في النهاية إلى أهمية هذا التصور في إحداث تحول إقليمي يجعل من الجزائر شريكا فعليا في بلورة الحل النهائي.

1- الديموقراطية المستبانة والتنمية المستدامة:
لقد كان أن أحد أهداف الانتقال الديمقراطي، ولا يزال، هو المساهمة في حل النزاع واحتواء المطلب الانفصالي، تماما كما حدث في الجارة الاسبانية مع إقليم الباسك، ولكن التراجعات التي طبعت النصف الثاني من العقد الماضي، خصوصا ما ارتبط منها بالحريات السياسية و حقوق الإنسان ونزاهة الانتخابات (استحقاقات 2007 و2009)، زادت الهوة اتساعا بين ضياء الحل المقترح، وبين عتمة الواقع الذي أضعف الثقة وشكك في الضمانات. أجل، لقد عشنا لمدة عقد خلا على أمل أن تكون بلادنا استثناء متميزا بين نظيراتها العربية والإفريقية، من حيث إنها يممت وجهها شطر الأفق الديمقراطي والنهوض بثقافة حقوق الإنسان، ولكننا فوجئنا بتيار سياسي تحكمي، وقد أناخ بكلكله التسلطي على المشهد السياسي برمته، متربصا بمخزوننا من الهواء الديمقراطي، إنْ كاد ليُسمّمه!وبدا لنا، كما سجل ذلك الأستاذ ادريس بن سعيد العلوي، أن ” المشروع غير المعلن للدولة، يعتقد أن المجتمع المدني يمكن أن يلغي الموقع الاستراتيجي للأحزاب السياسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وأن يلعب أدوار التجنيد والحشد والمواكبة لمبادرتها، دون كلفة سياسية أو تنازل عن جزء من السلطة ” (أخبار اليوم 17/05/2010)

تبعا لذلك، يمكن القول بعد العشرية الماضية من المخاض الديمقراطي، ظاهريا على الأقل، أن الدولة لم تقتنع كليا بالتلازم الحتمي بين الإصلاح في بنيتها ( الإصلاح الدستوري والسياسي ) وبين التنمية الحقيقية والمستدامة، لهثا وراء تنمية اقتصادية بلا ضريبة ديمقراطية ( تقدم التقنوقراطي وتراجع السياسي، خروج مخططات كبرى مهيكلة من خارج القنوات الحكومية والبرلمانية…)، ومن تم فإنها تسعى إلى تغييرات مؤسساتية فقط ( الحكامة الجيدة، الجهوية الموسعة،…) دون الغوص في عمق التغيير ( توزيع السلط وتوازنها، ربط القرار بصناديق الاقتراع،…). ومما كشف محدودية هذا الرهان، تمدد الهشاشة لتشمل الطبقة الوسطى، رغم ما لهذه الشريحة المجتمعية من أدوار طلائعية في التماسك الاجتماعي والنهوض بالتنمية؛ كما أن جل المؤشرات التنافسية الأممية منها والدولية، تراجعت على صعيد مجالات حيوية واستراتيجية، لأن السياسات العمومية التي تستطيع تلبية احتياجات الداخل ومواجهة تحديات الخارج، تحتاج إلى بيئة ديمقراطية مستدامة.

والحصاد من التأرجح الذي ذكرناه آنفا، أننا تجرعنا علقم تراجعات، ودفعنا وندفع ضريبة تجاوزات، و نحن أحوج ما نكون اليوم إلى الفكاك من الآثار السلبية لشريط الانتكاسات التي تراكمت في تلك العشرية، والإنعتاق من أجواء اليأس والإحباط الذي ترجمه عزوف الناخبين في كل استحقاقات النصف الثاني من العقد الماضي وما تلاه، وكذا الحراك الاجتماعي والثقافي للعديد من الهيئات الحقوقية والمدنية التي رصدت و ترصد أوضاع البلد، والتي حملت في مجملها شحنة تشاؤمية، وهو ما يدل على اتساع الفجوة بين مطالب هذه الفئات وغيرها، وبين أجوبة السلطات العمومية.

إن مثل هذه الإشكالات والقطائع، هي التي أحدثت وتحدث التشوهات السياسية، وكرست وتكرس الإختلالات الاجتماعية، وغذت وتغذي الانفلاتات الأمنية، وتدفع إلى طرح السؤال: من له المصلحة أن يتحول المغرب الأقصى إلى المغرب الأقسى؟ ومما يزيد حيرتنا ويضاعف حسرتنا أن لنا من الموارد الطبيعية ( ومنها ما لم يكتشف بعد ) والقدرات البشرية والطاقات المبدعة ( داخل الوطن وخارجه ) ما يمكننا من مواجهة التحديات وتحدي الإحتياجات، خصوصا مع مرحلة ” الربيع الديموقراطي ” التي أكسبتنا دستورا جديدا ومتميزا، وما نحتاجه أساسا هوترسيم الإرادة السياسية الصادقة المعلنة حكوميا، وفي طليعة ذلك التأويل الديموقراطي لدستور2011، دستور المرحلة الإنتقالية، وإصدار القوانين التنظيمية المكملة له بنفس إصلاحي عميق، وأفق ديموقراطي وثيق.

نحن إذن أمام مفترق طرق، والنقاش الذي ينبغي ربما إثارته بشكل مسؤول هو ماهية قضيتنا الاولى حقيقة، وما هي أم المعارك المرتبطة بوجودنا؟! أهي استكمال بناء الذات المغربية وتأهيلها بأجندة تنزيل دستوري سليم وإصلاحات سياسية ومؤسساتية تجدد البنيات التشريعية والقانونية وترتقي بها، لتنقلنا من جور الأحكام الاستبدادية إلى عدل الأحكام الديمقراطية، وترفعنا من ضيق رواسب التناوب التوافقي إلى سعة مكاسب التداول الديمقراطي، حرصا على صون المكتسبات المحققة، وتحصين المشروع التنموي الطموح، سعيا وارتقاء إلى مصاف الدول الديمقراطية لكسب احترام مبدئي وصادق من لدن المنتظم الدولي، يعزز موقعنا التفاوضي ويعطي لرؤيتنا ومقترحنا مزيدا من الشرعية ؟!

إنها قضية وجود ومستقبل !أما الوجود، فإن حمايته تبدأ بإعطاء قيمة لهذا ” الوجود “، وعربون ذلك حينما يقول المواطن “أنا مكرم، إذن أنا موجود”. كما أن الوعي بقضية “الوجود” وليس فقط “الحدود”، يدفعنا إلى إدراك أن علينا التحرر التدريجي من سقف الذود عن الوحدة الوطنية والحوزة الترابية على أهميته وقداسته، إلى فضاء حقوق المواطن المغربي أينما كان، مادام المغاربة سواسية بنص الدستور، مع إعطاء الأولوية للحالات الجماعية التي تعيش أوضاعا مأساوية ولا إنسانية، وفي طليعتها بكل تأكيد أهلنا المحاصرون في مخيمات تندوف؛ ثم أشقاؤنا المبعدون قسرا من الجزائر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وضحايا النزاع وسنوات الرصاص المتبادل الذي رافقته، ويلحق بذلك ايضا ملفات الإعتقال سواء على خلفية ما بات يعرف بقضايا” الإرهاب “، أو ما ارتبط منها بحراك شباب 20 فبراير ! إننا نحتاج إلى مبادرة شجاعة ومقاربة ناضجة، حتى لا نضطر إلى الحديث عن ضحايا ” الدستور الجديد وسؤال الإنصاف، تماما كما حدث مع ما اصطلح عليه ” بالعهد الجديد”، أما الحقيقة، فيصعب طمسها بالمرة، مع وجود التزامات دولية، وفي عصر الثورة الرقمية! أما إذا استمر الحال على ما هو عليه – لا سمح الله – فقد تجري رياح التراجعات بما لا تشتهيه سفن المراجعات، و بقدر ما نرنو إلى الأفضل والأصلح، بقدر ما لا نستبعد حدوث الأسوء والأطلح؛ ولذلك، يجب أن تستمر التعبئة من أجل توسيع مجال الحريات وتكريس مسار حقوق الإنسان، والحيلولة دون نزعات الردة الحقوقية ونزوات الشّرة العدمية.

أما بالنسبة للمستقبل ( القريب والمتوسط )، فهل سنملك الشجاعة الأدبية والجرأة السياسية للقول بأن قضيتنا الأولى فعليا، وفي هذه المرحلة على الأقل، هي ربح رهان “باك الجهوية”: جهوية متقدمة ومستشرفة للحكم الذاتي في الصحراء، وأخرى موسعة في باقي الجهات، إنهاء ورش إصلاح القضاء، توسيع فضاء الحريات، الحكامة الأمنية، تجفيف ينابيع الريع، تقوية التنافسية وجاذبية الإستثمار، وإعطاء مصداقية لكل ذلك في القابل من الإستحقاقات ( تجويد قانون الأحزاب، نمط الإقتراع، العتبة، التقطيع الإنتخابي، رقابة المجتمع المدني، حياد الجهاز الإداري، إعلام عمومي في مستوى الرهانات والإنتظارات… ) ؟! و هل بالإمكان الصدع بأن حجر الزاوية في القضية الإستراتيجية الأولى، هو تحقيق هذه النقلة الديمقراطية( في انتظار الطفرة ) كصيغة محفزة لإنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي؟!

ثم إن الجهوية خيار استراتيجي له مستحقاته السياسية، ويحتاج إلى تنازلات مبدئية من المركز لصالح الأطراف، وليس إلى مسارات إلتوائية أو احتوائية كما جرى في السابق، وتيسير كل المداخل لتوسيع قاعدة الانخراط المجتمعي، وهو رهان ينبغي ربحه، وإعطاء الضمانات الكافية و تبيان الإجراءات المصاحبة له، نظرا لما سينتج عنه ــ كما هو مفترض – من تحول عميق في بنية الدولة والمجتمع معا (هل ندخل عهد المملكة الثالثة؟)، حرصا على أن لا نكون أمام دولة جهوية المظهر، يعقوبية المخبر!

كما أن تمتين الجبهة الداخلية، يحتاج إلى إعادة بناء المخيال الوطني وشحذ بطاريته بالوقود الحيوي الذي يتم تخصيبه بقيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، حتى نرفع درجة التعبئة، في أفق استعادة قدر من الثقة في مسيرة الإصلاح السياسي وردم التشققات والأخاديد التي أفرزها تغول الجهاز الإداري وشطط سلطة التحكم، كما يستلزم ألا نحقر من المعروف الوطني للمواطنين شيئا، خصوصا من لهم رصيد مشهود ومعلوم من النضال السياسي، لمقاومة خطر الإستيلاب واللامبالاة واحتباس الحماسة الشعبية، والعمل على استرجاع الحماسة الوطنية العفوية (مثلما عشناها زمان وصل الشمال بالجنوب أوان المسيرة الخضراء )، التي شهدت انكماشا جليا في خصوبتها وحيويتها في الداخل كما في المهجر. وتزداد أهمية هذا المطلب، عندما نستيقن أن الرهان على حلفاء دوليين ليس مضمونا لأنه محكوم بمصالح تلك الدول، ورهانات نخبها السياسية والمدنية، فوحدها المشروعية الديمقراطية الوطنية، تقنع وتحرج الشرعية الدولية، وترفع عنا إصر الدعم المشروط من حلفائنا !إذ الثابت أن النجاعة السياسية – كما يقول بعض الحكماء – لا تقاس فقط بما تم ويتم فعله ( رغم محدوديته )، ولكن أيضا بما لم يتم تفعيله، وبما لم يتم فعله!

إن مما يستحق الإنتباه، أننا ” لا زلنا لم نحول الأشخاص من رعايا إلى مواطنين يشعرون بالانتماء إلى الكيان السياسي؛ نعم، لدينا شعور بالوطنية، لكن الوطنية هي مجرد وجدان، وهي في أحسن أحوالها مسألة شعورية عاطفية، أما المواطنة فهي قائمة على علاقات موضوعية وقانونية وقائمة على تعاقد مدني” ( الناشط الحقوقي الدولي مصطفى القباج ، التجديد 06/08/2010 )؛كما أن سياستنا الوطنية، لا تزال تفتقر إلى العديد من خصائص المواطنة ومقوماتها، التي تجعل الإنسان ـ حقيقة و واقعا لا مجازا وافتراضا – هو المحور والمقصد، والفاعل والشريك، باعتباره الرأسمال الحقيقي وثروة وطنية بامتياز، وتعينه على التحرر من كل الرواسب النفسية والمفاهيم السلبية والإكراهات الموضوعية، وليس فقط توفير هوامش الحرية له (والتي تحتاج المزيد من التحرير والسديد من التنوير)، ثم المساواة الفعلية والعدل الملموس في الحقوق والواجبات بما يضمن، مضافا إلى تكافؤ الفرص، المسؤولية الذاتية في إبداعها وصناعتها، والقدرة على اغتنامها واستثمارها بفعالية ونجاعة، تحقيقا لأسنى مستويات المهنية والتسيير، وأسمى درجات المردودية والتدبير؛ حينها يكون المواطن فعلا “فاعلا” لا “مفعولا به” سياسيا ويتحرر من سمة “المنفعل”، وهو بهذا المعنى، لن يكون فقط محور التحولات المجتمعية، بل أيضا صمام أمان لذاته ومجتمعه ودولته؛ وفي جملة واحدة، يمكن الجزم بأن معمار الوطنية من لبنات المواطنة!

من هنا نقول، إن تنمية العمران بأقاليمنا الصحراوية، ستبقى قاصرة ما لم تؤسس على كرامة الإنسان، ودليلنا على ذلك، أنه عند التمحيص في رقعة الانفصال وجيوبها المتناثرة في ربوع المنطقة، يتضح أن كثيرا من شبابها، الذي يعيش حالة من المفاصلة الشعورية اتجاه الوطن الأم، بعد ما توالت الخيبات والاحباطات، تحركهم دوافع الثأر والانتقام لحقوق اغتصبت ولكرامة امتهنت ( في بعض الحالات يكون التعبير الانفصالي وسيلة للابتزاز السياسي والريع النضالي)، وهو ما يعني أن “السيطرة على القلوب” ( بتعبير الملك الراحل الحسن الثاني ) لاتزال بعيدة المنال؛ ومجددا نطرح السؤال حول حصيلة كل القطاعات المكلفة بالتنشئة الثقافية والتربوية والاجتماعية لجيل ما بعد المسيرة الخضراء، قبل أن يأتي غيرنا مستقبلا، ويطرح نفس السؤال عن جيل ما بعد مقترح الحكم الذاتي! ولعله من الصور البئيسة التي تكرس “دونية” المنطقة ومعاملتها بعقلية “المغرب غير النافع” ( رغم أنها في وضع أحسن بكثير من مثيلاتها على امتداد التراب الوطني)، هو التعاطي معها كمنفى عقابي لرجال السلطة المُخِلِّين بالتزاماتهم القانونية، حيث يتم وضعهم في “منجنيق” العقوبة، والرمي بهم إلى حواضر المنطقة، هذا، في الوقت الذي تحتاج فيه أقاليمنا الصحراوية إلى إغنائها بذوي الكفاءات والمروءات والخبرات، ومن لهم إلمام بالحد الأدنى من تاريخ المنطقة وثقافة أهلها، ليكونوا سندا لنخبتها ومددا لطليعتها، التي تنتظرها تكاليف الجهوية الموسعة، ومن بعدها حِمْل الحكم الذاتي.

2- في التدابير المرحلية :
لقد فشل “الكوركاس” ( المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية ) في نسخته الحالية والبالية في نفس الآن، أن يكون نِدَّا للجبهة، وأن يجسِّد “شرعية صحراوية” و”مؤسسة للوساطة”، على الأقل في ما يخص تمثيلية صحراويي الداخل، وبدرجة أقل صحراويي الشتات ( اسبانيا وموريتانيا على الخصوص )، وفي سياق ما تشهده منطقة الصحراء من مخاض بانتظار ولادة الكوركاس الثالث، يجدر بنا دراسة التجربة السابقة وتقييمها للوقوف على الحصيلة الفعلية واستخلاص الدروس والعبر، تقييما موضوعيا وشفافا، بعيدا عن حسابات المصالح ومزايدات الأهواء، ومن ذلك معرفة مدى التزامه بالمبادئ المحددة في الظهير المؤسس له كمؤسسة ذات قوة اقتراحية سديدة، وطرف فاعل في تنمية المنطقة بالإسهام في إرساء حكامة جيدة، واستيعاب النخب الجديدة، ثم إشراكها في تدبير الشأن المحلي، ومنه أيضا معرفة المعايير المعتمدة في تشكيلته: من الذي يحدد الأسماء ويدرس الملفات ويقدم الترشيحات؟! ومن الذي يؤشر على اللائحة النهائية المقدمة إلى مركز القرار قصد المصادقة والإجازة؟! ثم نبحث في حجم الاعتمادات المخصصة له وطرق صرفها وتدبيرها، وهل تم افتحاص المجلس الأعلى لحساباتها أم لا؟! … إن المسألة تقتضي حدا أدنى من الشفافية والنزاهة، لإعطاء الخطاب الرسمي جرعات من المصداقية، خصوصا أن هذا المجلس له صلة وثيقة بمشروع “الجهوية المتقدمة” ومقترح الحكم الذاتي، وبالتالي، فلا بد من مراعاة مقتضيات هذه المشاريع في تشكيلة المجلس الجديد!

في السياق ذاته، يتعين إعادة النظر في الظهير المؤسس للكوركاس، للجم الثغرات والتدقيق في بعض البنود ( مثلا، هناك من يرى أن السلطات الواسعة للرئيس هي السبب في عرقلة صياغة قانون داخلي ناجع، والحيلولة دون تفعيل دور اللجان الخمس )، خصوصا وأن الخطاب الملكي لـ 06 نونبر 2009، أكد على ” إعادة هيكلة المجلس من خلال إعادة النظر في تركيبته، وتقوية تمثيليته، بانفتاحه على نخب جديدة، ذات كفاءة وغيرة وطنية، وتأهيل وملاءمة هياكله، وطرق تسييره، مع التحديات الجديدة، والرفع من نجاعته في التعبئة والدفاع عن مغربية الصحراء وتنميتها”؛ وما قلناه عن الكوركاس، يصدق أيضا على وكالة تنمية الأقاليم الجنوبية ( والغريب أنها الوحيدة التي يتواجد مقرها بالرباط، بدل التموقع في المنطقة المعنية )، التي لازلنا ننتظر التغييرات المفترض أن تطالها لتكون فعاليتها أسرع في وتيرة التنمية البشرية والاقتصادية بجهة الصحراء.
من جانب آخر، تحتاج البيئة الصحراوية، وبنيتها القبلية بالخصوص، إلى مزيد من الفهم والاستيعاب، من أجل الإسهام في توليد نخب متجددة، قادرة على تمثل ومواكبة المشاريع المقترحة للمنطقة، خصوصا ما يرتبط بالجهوية والحكم الذاتي، وأعتقد أن الأمر منوط بالأساس بالفاعلين الصحراويين المتناثرين في ربوع البلاد، الذين أبانوا عن كفاءة عالية في استلهام وهضم تراث “القبيلة”، باستدماج العديد من عناصره الايجابية في فضاء مواطنتهم التي يمارسونها يوميا في ميادين السياسة والعمل الجمعوي، كما في الإبداع الثقافي والتخصص الأكاديمي، وبنفس القدر، استطاعوا التحرر من الرواسب السالبة والسلبية لذلك التراث، والتي تعيق تطور الإنسان الصحراوي والارتقاء بتمدنه و تحضره (كما هو حال المناطق المغربية التي يحضر فيها العامل القبلي بكثافة)؛ وما يسترعي الانتباه حقيقة، أن النخب الصحراوية في جلها مسيَّسة – طبعا بدرجات متفاوتة – لكن تأطيرها لا يزال في معظمه محكوما بالنزعة القبلية. ثم إنه ينبغي التنبيه، على أن تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة في الصحراء وتحقيق مقاصده، يحتاج إلى بيئة مناسبة، ومن مقتضيات ذلك، أن يحصل لدى ساكنة المنطقة حد أدنى من المعرفة والوعي والقابلية للتأقلم، وأن تكون نخبها، وفي طليعتها الشباب الناشط سياسيا ونقابيا، حقوقيا وجمعويا، ثقافيا وإعلاميا، مسلحة بما يكفي من مهارات ومعارف في مجالات التدبير الإستراتيجي والحكامة الجيدة والتنمية المستدامة. والمفارقة الملفتة للنظر، هي التقصير في تعيين النخب الأكاديمية الصحراوية ذات الكفاءات التدبيرية، لإدارة المصالح الخارجية للوزارات ورئاسة الفروع الجهوية للمؤسسات والمكاتب العمومية وشبه العمومية داخل الأقاليم الصحراوية، وكذا بالنسبة للمندوبيات السامية والمجالس والمؤسسات الوطنية التابعة للدولة، أو على الأقل، أن يكونوا في مقام النائب الأول للمدير أو الرئيس، إن كانت خبرتهم بحاجة إلى صقل وتحيين وتأهيل، علما بأن اعتماد الجهوية كمعيار إضافي لتولي المناصب وتحمل المسؤولية، سيعطي مصداقية للجهوية المتقدمة المقترحة للمنطقة، ودعامة مهمة لمقترح الحكم الذاتي ويفتح صفحة جديدة “للنبوغ المغربي الصحراوي”!

ومن مستلزمات تعبيد هذا المسار الطويل والمحفوف بالمخاطر، أن تتم دمقرطة الإعلام العمومي، وإعادة النظر في السياسة الإعلامية المتبعة، خصوصا القناة الجهوية في العيون، كما يستدعي البحث في صيغ التعاون والتكامل مع الإعلام الموريتاني بالنظر إلى القواسم المشتركة وأوجه الشبه بين البيئة الموريتانية والبيئة الصحراوية ( ناهيك عن الروابط التاريخية اجتماعيا و ثقافيا، روحيا وسياسيا، تجاريا واقتصاديا )، وكذا إمكانية الاستثمار في الإعلام الموجه المبثوث في فضاء الجالية المغاربية، والاستفادة من كل الإمكانات المتاحة والآفاق المفتوحة، على مستوى الشبكة العنكبوتية (الأنترنيت)،ثم السعي إلى امتلاك وتوظيف قناة فضائية تحليلية في مقام ما نراه ثاويا بيننا .

3- الجزائر الديمقراطية… الشريك الحقيقي في السلام:
ليس هدفنا هنا، الوقوف عند مجمل مواقف النظام الجزائري وأساليبه الرامية إلى محاصرة المغرب وإضعافه، وما يجلب به علينا من خيل وركاب ونفط وغاز، ولا الوقوف على موقع ورهانات الدول الكبرى المعنية عن كثب بالنزاع (اسبانيا، فرنسا، أمريكا)، عملا بقاعدة: “الفهم” أولا، ثم “التفهم” ثانيا، و “التفاهم” ثالثا وأخيرا، وإنما مرادنا إثارة نقطتين أساسيتين، تثيران قدرا من الضبابية لدى الرأي العام، لنخلص إلى النقطة الفريدة التي ندندن حولها، باعتبارها – في نظرنا – مفتاحا راجحا للسلام.
والمسألتان هما: إمكانية استئناف الحرب، واللاءات الثلاثة لمجلس الأمن الدولي:
استئناف الحرب: من المعلوم أن هناك اتفاقا لوقف إطلاق النار، بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ شتنبر 1991، وفي غياب اتفاقية سلام، وتطبيع كامل مع الجزائر، يكون الحديث عن إمكانية تفجر الأوضاع واستئناف الحرب (مع دخول الجزائر على الخط بصيغ متعددة) صحيح نظريا، لكن ما يجعلنا نقدر أن الأمر من سابع المستحيلات، هو الحيثيات التالية:
· المغرب له ” وضع متقدم “، سواء مع الاتحاد الأوروبي أو الحلف الأطلسي، ناهيك عن كونه حليفا استراتيجيا لأمريكا، وهو حلقة رئيسة اليوم في حرب التحالف الغربي على ما يسمى “بالإرهاب”، ولا يمكن ضمان ولا استمرار المصالح مع أولئك الأحلاف، إذا تصاعد دخان نيران الحرب في منطقة النزاع، فإذن هو احتمال أمامه خط أحمر قاني !
· التحالف الغربي، تطارده ” لعنة ” العراق ( من آخرها فضيحة موقع ويكيليكس )، وتتمرغ قدماه في الوحل الأفغاني (عدد قتلى قوات التحالف، منذ اجتياح أفغانستان عام 2001، في تزايد وكل مكون منها يقول نفسي نفسي )، فيما كشفت ” لعبة ” تحرير الرهائن الغربيين عن ارتباكه في التعاطي مع ما يجري في منطقة “ساحلستان ” (وهي امتداد لما يجري في الصومال)، وبالتالي، فإن فشله في حسم الجبهات السالفة لصالحه، يفرض عليه الحيلولة دون اشتعال أمثالها.
· المصالح الاقتصادية والعلاقات التجارية مع الخارج، خصوصا الاتحاد الأوروبي، وانخراط البلدين الجارين (المغرب والجزائر) في المشاريع المهيكلة الكبرى، والتي في مجملها ثمرة لعقود واتفاقيات مع مؤسسات مالية دولية وشركات عابرة للقارات، لا ولن تسمح بما يهدد وجودها ومكاسبها.
· التداعيات الإنسانية الخطيرة للحروب، ولعل أخطرها بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هو “تسونامي” الهجرة الشرعية وغير الشرعية الوارد في مثل هذه الحالات، خصوصا مع وجود ملايين من جالية البلدين بالديار الأوروبية.
ورب سائل: ولكن التسلح الجزائري في تصاعد مريب، والجبهة تلوح بين الحين والآخر بالعودة إلى السلاح من جديد؟! … أما الجزائر، فإنها تحاول جر المغرب إلى سباق محموم نحو التسلح، أملا في إفشال مساره التنموي على تواضعه، فبينما تستغل هي عائداتها الضخمة من بيع الغاز والنفط، لتقوية شبكتها الأمنية والعسكرية، سيكون المغرب مضطرا إلى قروض إضافية والتضحية بمزيد من المشاريع الأساسية في برنامجه التنموي. ولعل نظرة سريعة في الميزانيات المخصصة لوزارة الدفاع الجزائرية، وصفقات التسليح المبرمة في العقد الأخير، تكشف بوضوح أن الأمر لا يتعلق فقط بتطويق ” الحرب الأهلية ” الداخلية وخوض ” المعركة الساحلستانية ” المتاخمة للحدود، ولكن أيضا ببناء قوة ردع تدعم دبلوماسية راكمت تجربة كبيرة في تأليب قوى سياسية ومدنية عبر العالم ضد المغرب؛ هذا فضلا عن كون عقود التسلح الجزائري، هي وسيلة أيضا للإرتزاق بالرشاوي والعمولات الضخمة، وتمويل الصناديق السوداء للأجهزة الأمنية والإستخباراتية. وأما الجبهة و فرقعاتها الإعلامية، فهو من قبيل الرويبضة السياسية!

اللاءات الأممية: ويمكن اعتبارها، بالإضافة إلى التأكيد على الحل السياسي، الثوابت والقناعات المرحلية التي أجمع وتوافق عليها اللاعبون الكبار، وهي:
· لا لحل يستحيل تطبيقه، وهو الدرس المستفاد من نكسة الاستفتاء الذي ابتلعته الرمال المتحركة، ولا للبند السابع طالما لم تتقدم مجموعة “الدول أصدقاء الصحراء” بمبادرة، دافعها الأساس إحساسها بأخطار تهدد مصالحها ( تطور الأوضاع في ساحلستان مثلا ).
· لا لإجراءات أحادية الجانب من الطرف المغربي، ومن هنا جاء مشروع الجهوية المتقدمة في الصحراء كبديل مرحلي.
· لا للتراجع عن إجراءات بناء الثقة، وهي إجراءات موجهة لطرفي النزاع، لأنه اختبار على الأرض للنوايا المعلنة، سواء شرع النقاش في القضايا الجوهرية أم تم إرجاؤه، و إذا استمر التماطل في تفعيلها، فقد يكون البديل منح صلاحيات جديدة للمينورسو، من أجل إعطاء نفس جديد للبعثة، وخلق دينامية جديدة في المنطقة، وهو ما لاحظناه في مقاربة الوسيط روس
و بالعودة إلى الوضع الراهن والواقع القائم، يتضح أن الرهان المغربي، هو استئناف المفاوضات من حيث انتهت الجولة الرابعة، والعمل على شرعنة مقترح الحل الذي تقدم به وتزكيته لدى المنتظم الأممي، مع بذل أقصى درجات المرونة لاستيعاب كل مقترح، سواء كان من الطرف الآخر أو من الوسيط الأممي، واستدماجه ضمن المبادرة المغربية. أما الجبهة – ومن خلفها الجزائر – فتراهن من خلال المناورات والمراوغات، على إعادة القضية إلى المربع الأول، أي تقرير المصير عن طريق الإستفتاء (ما دامت كل القرارات تتكلم عن ” تقرير المصير” ولم تنص صراحة على أن خيار الإستفتاء قد أصبح معدوما)، أو في أسوء الأحوال – بالنسبة لها – تجميد الوضع على ما هو عليه إلى أجل غير مسمى!

اعتبارا لكل ما سبق، فإن الهدف المرحلي الذي ينبغي أن نسعى إليه، دولة ومجتمعا، هو أن تستعيد الجزائر لحظتها الديمقراطية التي أشرقت مطلع تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتم وأدها، والدفع بأن تستأنف مسيرتها الديمقراطية. ذلك أنه بعد انتهاء الحرب الباردة، التي دق آخر رؤساء ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي سابقا، ميخاييل غورباتشوف، أول مسمار في نعشها، بالتغيير الذي قاده بمشروعه ” البيريسترويكا ” (إعادة البناء)، إلى أن انتهى المطاف بتشييعها إلى متحف التاريخ، بسقوط جدار برلين عام 1989، هبت نسائم الديمقراطية على المنطقة المغاربية، بما فيها المخيمات، وبعد حرب الخليج الأولى، وتشكل الوعي بأهمية المجتمع المدني، ارتفعت وتيرة المطالب الديمقراطية، فشهدنا انتخابات استثنائية (عربيا و إفريقيا) من حيث النزاهة وحجم المشاركة بالجزائر، وقيام الكتلة الديمقراطية في المغرب، والتي تقدمت بمذكرة للإصلاح الدستوري والسياسي. لكن، وبقدر ما سار المغرب خطوات نحو الانفتاح والتحول التدريجي والإيجابي، بقدر ما انقلب المسار الديمقراطي في الجزائر، بعد إشهار الفيتو العسكري على الانتخابات وما تلا ذلك من “حرب أهلية”. لاتزال رحاها تحصد الأرواح إلى يوم الناس هذا.

لكن، أين تكمن أهمية ” عودة ” الديمقراطية إلى الجزائر (والمقصود تحديدا عودة العسكر إلى ثكناته كما حدث في اليونان وكما يحدث في تركيا) لحل النزاع في الصحراء؟!… لو رجعنا إلى فترة الإشراقة الديمقراطية الجزائرية (1988 / 1989)، لوجدنا أنه في أكتوبر 1988، لما عمت موجة الاحتجاجات الشعبية مدن الجزائر، وبلغ الاحتقان مداه، ارتفعت أصوات تطالب بفك الإرتباط مع البوليساريو، وتحويل الاعتمادات المخصصة للجبهة لصالح الفئات المحرومة، وقد ترجم ذلك الشعور يومها بإحراق مقر تمثيلية الجبهة بالجزائر العاصمة من طرف بعض المحتجين، وفي هذا السياق، ومن أجل امتصاص هذه النقمة كجزء من المخرج للأزمة الاجتماعية والسياسية، تقدم الرئيس الجزائري حينها، الشاذلي بن جديد، وبضوء أخضر من المؤسسة العسكرية بفكرة “حكم ذاتي في الصحراء”، خصوصا وأن العلاقات الدبلوماسية تم إحياؤها بين البلدين؛ وكان من تبعات ذلك أن استقبل الملك الراحل الحسن الثاني وفدا من الجبهة بالقصر الملكي بمراكش في الخامس من فبراير عام 1989 (وهي السنة ذاتها التي شهدت ميلاد اتحاد المغرب العربي بمراكش يوم 17/02/1989)، وسيتجدد اللقاء مرة أخرى بحضور ولي العهد آنذاك – الملك محمد السادس – في شتنبر 1996. إثر ذلك، سيصرح رئيس الوفد، البشير مصطفى السيد (شقيق مؤسس الجبهة) بما معناه، أن تعريف “الشعب الصحراوي” مسألة صعبة ومعقدة (المقصود استحالة الاستفتاء)، وأن لفكرة الحكم الذاتي سحرا وجاذبية، خصوصا إذا وجدت صيغة تربط منطقة الصحراء بالقصر مباشرة (ربما هي إيماءة إلى النموذج الفدرالي، بناء على ما صرح به الملك الراحل في حوار له مع جريدة “لوموند” الفرنسية عام 1988، حيث أبدى إعجابه وأمنيته في مغرب فيه جهات مثل “اللاندر” الألماني).

الشاهد أنه بتزامن مع انتفاضة الشعب الجزائري في أكتوبر 1988 التي دفعت بالبلاد شطر الديمقراطية والتحول إلى نظام التعددية السياسية، شهدت مخيمات تندوف بدورها، أكبر انتفاضة في تاريخها (أكتوبر 1988)، نتج عنها انشقاق عمودي في الجبهة، ستكون من أولى نتائجه بداية التحاق “العائدين الكبار” بأرض الوطن، وتهيئ الظروف لإبرام اتفاق وقف إطلاق النار، إذن هناك تأثير وتأثر… تأثير من المركز/الجزائر وتأثر لدى الأطراف/المخيمات، ومن هنا نجزم، أن تطور الأوضاع في الجزائر نحو دولة المجتمع (بدل دولة الجيش حاليا)، ستكون له آثار محمودة على ساكنة المخيمات، وربما تتأتى لها لحظة الانتفاضة الشاملة من أجل التحرر والعودة النهائية إلى ديارها وذويها، وهو أمر سيعزز بالتأكيد موقعنا التفاوضي أمميا وإقليميا، وسيعطي قوة دفع لمطلبنا بفتح تلك “المعسكرات” أمام المفوضية السامية للاجئين، وطرح قضية شرعية تمثيل الصحراويين المحتكر من طرف الجبهة. وللإشارة، فقد وقعت “انتفاضات” جزئية ومحلية في المخيمات، مثل ما قامت به قبيلة “الرقيبات العيايشة” في ماي 2006 وفبراير 2010، ثم الوقفة الإحتجاجية لقبيلة “سلام ” في شتنبر 2010، ومع ذلك، فإن الآثار بقيت محدودة في ظل القبضة الفولاذية المزدوجة لميليشيات الجبهة والمخابرات العسكرية الجزائرية، وقصور دبلوماسيتنا بواجهاتها المتعددة.

وإذا كانت ” عسكرتاريا ” الجزائر تلوح بورقة النفط والغاز والصفقات الكبرى لإعاقة التحول الديمقراطي الداخلي وإدامة النزاع الخارجي، فإننا نملك إمكانية فريدة تستعصي راهنا على الجيران، وهي إرساء ديمقراطية سياسية محسوسة وعدالة اجتماعية ملموسة، يكرسان استقرارا أمنيا و سلما اجتماعيا، يساعدان بدورهما على تأهيل ثروتنا البشرية وإنجاح أوراشنا المهيكلة، مما يجعل التربة الاستثمارية أكثر خصوبة والمناخ المقاولاتي أكثر جاذبية، مع التأكيد مجددا، على أن قطب الرحى في ما سبق ذكره، أن يبلغ التنزيل الديموقراطي للدستور مداه، وأن ينال إصلاح القضاء لدى الشعب رضاه، لأنه وببساطة، بغير قضاء عادل نزيه، ومساطر شفافة ومحكمة، يستحيل استئصال سرطان اقتصاد الريع، ومقاومة جائحة الرشوة ولجم شره الجهاز الإداري المتجاوز لنصوص القوانين بَلْه روحها!

وإذا كانت الأوليغارشية العسكرية الجزائرية تريد جرنا إلى عدوى سباق التسلح ذي البأس الشديد ضدا على إرادة شعوب المنطقة، فمن واجبنا إغراؤها وإقناع نخبها بحضارة التسابق إلى “أسلحة” فيها منافع للناس، وعلى رأسها ترسيخ القيم الديمقراطية والنهوض بفروض التنمية، مع إشاعة ثقافة السلم والأمن، وتطويق بؤر العنف والفساد؛ ولْنتيقَّن، أنه إذا نجحنا في أنموذجنا الديمقراطي التنموي وفق ما نتطلع إليه، فسيكون من المتاح ترويجه إعلاميا، باعتبار هذه الوسيلة، من الأسلحة السياسية السلسة، التي تخترق الحدود بلا ضحايا ولا قلاقل. كما أنها، وباعتمادها للمهنية والاحترافية والقواعد المتعارف عليها كونيا، تكسب شرعيتها في التواصل مع الجمهور الواسع في الدولة المجاورة، دونما إخلال بأخلاق وأعراف العمل الدبلوماسي، وبالتالي تشكيل رأي عام مستوعب ومنحاز لهذا الخيار، ومطالبا بنهج ذات المسار، وما يعضِّد نسبيا هذا الطرح، أن النظام الجزائري – رغم انغلاقه – اتبع سَنَنَنَا في حقول شتى: الأمازيغية، المرأة، التصوف، الجالية، هيئة لمحاربة الرشوة ….، فهل سيستعصي علينا استمالته إلى الاقتباس من نور مشكاتنا الديمقراطية المنشودة؟! الحقيقة أننا لن نعدم لدى أشقائنا في الجزائر، وخاصة نخبهم السياسية والمدنية والأكاديمية (وقد تواترت تصريحات لزعماء وفعاليات يسارية وإسلامية وأمازيغية هناك، وللأسف لم تستثمر لا رسميا ولا شعبيا بالشكل المطلوب ) من لهم مناعة أخلاقية ونظرة عقلا نية وحس براغماتي لاعتبار مآل الأمور واحتساب العواقب.

وتثمينا لذلك، ينبغي تحسيس المجتمعات المدنية في البلدين ( بل على المستوى المغاربي قاطبة )؛ بتكثيف الندوات والبرامج حول كلفة “اللامغرب عربي” (مثلا، مشروع الطاقة الشمسية في الصحراء الكبرى “DESERTEC”، التكامل الإستراتيجي الممكن بين المكتب الشريف للفوسفاط وشركة “صونتراك” المتحكمة في البترول الجزائري، من أجل إنتاج الأسمدة،…)؛ فبهذه الخطوات، سنجعل مجتمعاتنا المدنية، مشاركة أيضا في تدبير مصالحنا الإستراتيجية وحماية أمنناالقومي، وندفعها إلى الانعتاق من أسر الأحقاد المتراكمة وثَلَمِ سور التوجسات الدفينة، لتزداد يقينا على أن مستقبلنا وأفقنا ومصيرنا مشترك، وأن سبيل الرشد في توازن المصالح وتكاملها، أما سبيل الغي فهو تناسل الأزمات وتقاسمها، ذلك أن تكاليف النزاع باهظة على المستوى الإنساني (اللاجئون في الشتات، المحتجزون في المخيمات، الأطفال المهجرون، مجهولي المصير، ضحايا الألغام، الأوصال والأرحام الممزعة،…) والسياسي (إعاقة التطور الديمقراطي والتحول السليم) والاقتصادي (تزايد الإنفاق العسكري عوض مشاريع التنمية، تأجيل التكامل الاقتصادي على مستوى المغرب العربي وبالتالي معدل النمو) وأخيرا و ليس آخرا، المستوى الأمني (تنامي الأخطار الأمنية مع توالد الجماعات المسلحة، خصوصا المرتبطة بالقاعدة، انتشار خلايا مافيا تهريب البشر والسلاح والمخدرات…)؛ كما أن حل النزاع، أساسي لاستقرار المنطقة وتحصينها من عدوى انفلونزا الانفصال (الطوارق، الأمازيغ، الزنوج جنوب موريتانيا،).

وما من شك، أن رياح الديمقراطية، متى هبت على الجزائر، ستدفع سفن “القبايل” و”الطوارق” الراسية في ميناء الإنتظار القسري، إلى بسط أشرعتها من جديد، والإنطلاق نحو ساحل حقوقها الثقافية والسياسية التي تحفظ كرامتها وتصون تميزها، وأغلب الظن أن تطالب هي الأخرى بالحكم الذاتي في المجال الترابي الذي تستوطنه، باعتباره صيغة حضارية، تمزج بين توحيد المجتمع والوطن، ووحدة التنوع والخصوصيات، في تمازج حضاري تتولد عنه دينامية مجتمعية، تستثمر في كل ما هو إيجابي، وتمتص قدر الإمكان كل ما هو سلبي. ومن هنا، يكون مقترح الحكم الذاتي المغربي، جوابا على أحد إشكاليات مستقبل الأشقاء في الجزائر، لو كانوا يبصرون!

خلاصة القول، إنه عندما تستعيد الجزائر – بتحفيز من تجربتنا متى أينعت – صحوتها بل يقظتها الديمقراطية، فستجلس حينها طوعا أو كرها إلى طاولة الحل النهائي، وستكف، وربيبتها الجبهة، عن الإمساك بِمَسَدِ المناورات، وتتكيف الأمم المتحدة مع ما استجد من مسارات، ويومها، يعود عاقر ناقة الحكم الذاتي بشرا سويا، وتستوي أحلامه على جودي الكلمة السواء.

يستنتج مما سبق، أن الخطوات الحقيقية والفعلية نحو الحل، تبدأ بنجاحنا المزدوج في الامتحان الديمقراطي والاختبار التنموي، ضمن نظام جهوي متوازن ومتكافل، وبهذا الخصوص، يؤكد السيد برنابي لوبيز غارسيا، خبير العلاقات المغربية الإسبانية، وأحد كبار الباحثين الإسبان دعما للمقترح المغربي، في مقال له بجريدة “إلبايس” ليوم 03/12/2009، أن “قضية أميناتو حيدر، كشفت و بشكل عام، عدم قدرة المغرب على تقديم نفسه كنموذج لديمقراطية ناشئة، قادرة على استيعاب نظام جهوي، يحتاج في الأصل، إلى وعي بمفهوم النظام الديمقراطي وإلى ممارسة الديمقراطية بدل مجرد القول بها فقط”

من زاوية أخرى، يجدر التنبيه إلى ضرورة الاستعانة بمقترحات داعمة ومحفزة لهذا التوجه، وبانية لدرجات عالية من الثقة والتفاهم، وفي مقدمة ذلك ضمان المصالح ودوامها، والحرص على تطويرها وتوسيع آفاقها، ولنا شواهد في التاريخ القريب، إذ سبق للملك الراحل الحسن الثاني، في خطاب له بتاريخ 08/09/1974، أن اقترح على الجنرال فرانكو (رئيس اسبانيا آنذاك)، في حال اعترافه بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، استعداده وضع قواعد عسكرية رهن إشارة اسبانيا والاستفادة المشتركة من ثروات المنطقة سواء في برها أو بحرها. كما سبق اقتسام الصحراء مع موريتانيا ضمانا لوقوفها التام مع المغرب، وحتى عندما انسحبت من الإقليم عام 1979، تركت لها منطقة “لكويرة” (التي لا نسمع عنها إلا في النشرة الجوية) حتى لا تختنق شرايين نواذيبو، ثم إن الجزائر – ممثلة في رئيسها بوتفليقة – سبق وأن اقترحت تقسيم الصحراء، (رسالة بوتفليقة إلى الأمين العام الأممي السابق كوفي عنان بتاريخ 22/05/2001) بحثا عن منفذ إلى الأطلسي عبر قناة الجبهة، ومحاولة التفافية لعرقلة الحل السياسي الذي أشر إليه القرار الأممي رقم 1309 ( 25/07/2000 ) – لذلك سيكون مفيدا بالنسبة للمغرب، علاوة على اللقاح الديمقراطي، فتح قناة نافذة – غير رسمية – للتفاوض مع الجار المؤرق، يبسط من خلالها كل الإشكالات العالقة، والبحث عن تسوية شاملة وعادلة تحافظ على المكتسبات وتحفظ ما أمكن من الحقوق، وترفع ما أشكل من التحفظات، فليس صحيحا أن الأشقاء كلهم على قلب رجل واحد في هذه النازلة، أو أنهم لا يحسنون إلا صنع الأزمات، وهم الذين لعبوا أدوارا كثيرة في أزمات متعددة، لعل أبرزها في ما يشبه قضيتنا، وساطتهم في النزاع بين الدولة وحركة التمرد في شمال مالي قبل ظهور”القاعدة” وأخواتها . و يكفي استحضار تلك الإرهاصات التي عشناها أيام الرئيس المقال الشاذلي بن جديد، وخلفه المغتال محمد بوضياف، للتدليل على ذلك، بل حتى داخل صقور العسكر، الذي كانت لهم – ولا تزال – كلمة الفصل، رأينا كيف تراجع أحد أكابرهم ( الراحل خالد نزار، سفير الجزائر السابق بالمغرب) بعد سنوات، مصرحا أنه لا مكان لدولة سادسة في المنطقة المغاربية؛ فلعل استثمار مبدأ “ليسوا سواء” منطلقا، يعبد الطريق نحو “كلمة سواء” أفقا! فكما أننا أصحاب الحق، ورغم إجماعنا على القاعدة المبدئية ” الصحراء مغربية ” واتفاقنا على الحل المقترح “الحكم الذاتي”، فإنه تتعدد وجهات النظر ( وقد تختلف ) في المداخل والإجراءات المواكبة، وكذا الوسائل والضمانات المصاحبة.

وفي الخلاصة نقول، إن “الحلم” بدولة الانفصال، لا يمكن أن يغالبه سوى “رؤيا صادقة”، مفادها وضع حد للمأساة الإنسانية التي عمرت طويلا، في أبعادها الحقوقية والاجتماعية، ثم الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وضرورة ذلك وأهميته لكل تنمية مستقبلية مشرعة على تكتل اقتصادي إقليمي. ووحدها الريح الديمقراطية الطيبة، تستطيع اقتياد السفن التائهة في بحر المفاوضات إلى ميناء الحكم الذاتي بمعايير دولية؛ حينها سنكتفي باستفتاء الناخبين الكبار (برلمان الجبهة/الكوركاس الجديد)، محسومة نتائجه سلفا (استفتاء تأكيدي صح!) خصوصا إذا كانت تمثيلية العائدين الكبار بالكوركاس معتبرة، وهو ما يسهل مباركة الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية.

في انتظار ذلك، فإن الاستفتاء الحقيقي هو ما يجري على الأرض ونراه في الواقع، وهو في صالح المغرب، كلما عاد لاجئون، خصوصا ممن هم في مراكز القرار السياسي والعسكري والأمني، وانضموا إلى فسطاط الوحدويين، وهو في صالح الجبهة، كلما انزاح بعض أهلنا في الصحراء، اقتناعا مبدئيا أو تعبيرا ابتزازيا أو تصرفا احتجاجيا، إلى فسطاط الانفصاليين؛ وموازاة مع معارك الديمقراطية والتنمية، ينبغي الاستمرار في الترويج للمبادرة من أجل التحسيس بها و تقبلها – أملا في الاقتناع بها – على نطاق دولي أوسع مما هي عليه الآن، وحري بسفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج، أن تتجاوز مهامها العادية إداريا ودبلوماسيا، ومهمتها الخدماتية (المنتقدة في غالب الأحيان) لأفراد الجالية، وتتحول إلى “مركز تسويق” للمواقف والمبادرات والإنجازات المغربية في شتى الحقول، وبالأخص المقترح المغربي الخاص بالحكم الذاتي في الصحراء، والسعي إلى تمثل ” معرض تسوق “، يعرض فرص الاستثمار والغنى الثقافي والبيئي والسياسي للمملكة، خصوصا أقاليمنا الجنوبية.

على سبيل الختم

إذا كانت المواطنة تعني “الولاء للدولة في لحظات التعاون والخلاف” حسب البعض، فإنه يتعين التدقيق في المصطلحات حتى تأسس المواقف خدمة للمقاصد. ومن هنا نقول، إن الولاء يقوم على مبدأين: المحبة والنصرة، ولَئِنْ كانت محبة الأوطان فطرية بل مندوبة شرعا، فإن النصرة تتأرجح قوتها ودرجتها بحسب الفهم والإقناع والاطمئنان لصوابية الفكرة / المقترح / المبادرة / الحل / الخطة / البرنامج / المشروع…، إن على مستوى الصياغة أو على مستوى التنزيل. ولذلك، قد تكون النصرة – في غمرة الانفعالات الزائدة أو المزايدات المفتعلة – هي بذل النصيحة وتبيان الحكمة والدعوة إلى الأرجح بالدليل والبرهان، وحتى لو بدا للبعض أن النصح مُرٌّ، فإنما هو بمنزلة مرارة الدواء الموصوف للاستشفاء واسترداد العافية.
إن علينا أن نهيئ أنفسنا للتعايش والتأقلم مع هذا النزاع عدد سنين (إلا أن يشاء الله)، ورحى المعركة الدبلوماسية ستظل دائرة حينا من الدهر. ولكن، وتبعا لمؤثرات الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان، يمكن تغيير خرائط السير وخطوط التماس وميادين التنافس ومواقع النزال، بيد أن الحقيقة التي ينبغي دائما استحضارها واستصحابها، هي أن مصداقية حراكنا الدبلوماسي وجاذبية مقترحنا المعروض، رهينان بمراسنا الديمقراطي، ومرتبطان بمتانة جبهتنا الداخلية، خصوصا في الحقول الحقوقية والتنموية،… فوحدهما، المسيرة الديمقراطية الرشيدة (أم المعارك)، و”تي. جي.في” التنمية السليمة، قادران على تغيير المعادلة، أما مساحيق التحديث الصناعي، فلن تستر تجاعيد التجميد السياسي، ولن تحجب تقاسيم التقصير التنموي !
وفي ظل نظام عالمي سريع التقلبات والتحولات، فإن لعبة المصالح المتبادلة ولغتها، تتكيف مع كل الظروف والملابسات، لتحسم النتائج لفائدة هذا الطرف أو ذاك؛ والمنتظم الدولي في الغالب الأعم، ينزاح عن مبدأ الشرعية لفائدة المصلحة، المبنية أساسا على موازين القوى، ولنا في عدالة القضية الفلسطينية خير شاهد. ولذلك، فلن نمل من القول، أن قوتنا الأساس، في استكمال يناء ذاتنا الديمقراطية، وبلورة مفهوم جديد “للاستثناء المغربي”!
نعود فنقول، إن ثنائي الجزائر ( الكواليس ) / البوليساريو ( الواجهة )، لم ير في المقترح المغربي سوى مؤشر على المزيد من التنازل، خصوصا وأن المغرب قدم مقترحه بإرادة حرة وبمبادرة أحادية الجانب، وأنه كلما اشتدت الضغوط، كلما توالت التنازلات. ولقد رأينا مثالا لذلك في إبعاد المبعوث السابق ” بيتر فان ولسوم واستقدام ” كريستوفر روس “، الذي تشي أفكاره ومبادراته بانحياز للخصوم. ولذلك، فالحل الذاتي الذي شرحناه آنفا يبقى – في تقديرنا – السبيل الأنجع ” لفرض ” خيار الحكم الذاتي، وحتى ذلك الحين، سيظل حصننا الأمثل وملاذنا الأفضل.
بالديمقراطية المستبانة، نحمي الوحدة الوطنية … وبالتنمية المستدامة، نحصن الحوزة الترابية … إنها “سلة” الحل الذاتي، التي تصون “بيضة” الحكم الذاتي
لنتجاوز الشعار التقليدي “لا غالب ولا مغلوب” إلى الشعار التجديدي “رابح … رابح”…، رابح صحراويو المخيمات والشتات،… رابح صحراويو الإقليم،… رابح الشعب المغربي… رابح الشعب الجزائري!
العبادلة ماء العينين
* مداخلة ألقيت في الندوة الثانية لمؤسسة الأبيض المتوسط الجديد حول السياسة الخارجية المغربية ما بعد ثورات الربيع العربي أي دور وأية مكانة للمغرب في الساحة الاقليمية والدولية ؟ يوم الأربعاء 12 دجنبر 2012.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *