تلاميذ مدرسة الرحل.. لا يعرفون بنكيران أو معنى البرلمان غير موعد السوق الأسبوعي وتوقع أحوال الطقس

تلاميذ مدرسة الرحل.. لا يعرفون بنكيران أو معنى البرلمان غير موعد السوق الأسبوعي وتوقع أحوال الطقس

1366885514هم أطفال في ريعان الزهور، أصبح بإمكانهم فك طلاسيم الحروف، والنطق بها وحفظ القرآن وترديد الأناشيد ولعب المسرح ورسم أجمل اللوحات بأناملهم، هكذا يبدو الانطباع الأول في مكان ما من مرتفعات جبال تنغير وسط أدغال المغرب المنسي العميق.

الهواء الطلق يسود المكان، والنسيم يدغدغ أنوفنا وأحاسيسنا، صورة جميلة بين أحضان الطبيعة الجبلية الصعبة والوعرة، لكن ابتسامات الأطفال تضفي عليها رونقا خاصا، براءة من نوع خاص.

حوالي 20 تلميذا وتلميذة التحقوا بمقاعد الدراسة لأول مرة في حياتهم، كلهم حماس لمواصلة التجربة في الموسم المقبل، الشأن نفسه لآبائهم الذين فرحوا بالمبادرة، مادام أبنائهم استطاعوا الوصول إلى ما لم يصلوا له في زمانهم.

معلم هؤلاء التلاميذ “الأستاذ يوسف” قام بعمل جبار، فأن يعلم الفرد تلاميذ لا يعرفون إلا لغتهم الأم “اللغة الأمازيغية” ولا يعرفون غيرها للتواصل، وبعد مرور مدة صاروا يتكلمون ويكتبون بالعربية وينطقون ببعض الكلمات بالفرنسية، فتلك حقا معجزة. لكن الأجمل في كل ذلك أن “الأستاذ يوسف” يتعدى ذلك إلى تدريس الآباء بدورهم دروسا لمحو الأمية، أضف إلى ذلك أنه المكلف بتجهيز وجبات التلاميذ الغذائية بشكل يومي، إنه حقا متعدد الوظائف و الاختصاصات..

ينتهي عندهم الموسم الدراسي على غير بقية تلاميذ الحواضر والقرى في شهر ماي، ذلك أن هؤلاء الأطفال تابعون لأسرهم في حلهم وترحالهم، لا يكادون يستقرون في مكان، وهنا جاءت فكرة “مدرسة الرحل”، لتتنقل جنبا إلى جنب مع التلاميذ الرحل.

ما يزال بالمغرب المنسي العديد من الأسر الرحالة، أسر تعيش على الترحال والرعي، وإن باتت تتناقص بشكل مستمر إلا أنها لم تنقرض، حيث تلجأ العديد من الأسر الرحالة إلى الاستقرار نظرا لصعوبة هذا النمط من الحياة في منطقة جبال تنغير، ولم يعد في هذه المنطقة سوى العدد القليل من الأسر من عدد كبير كان فيما مضى.

مدرسة الرحل عرفت النور بجبال تنغير بعد اتفاقية للشراكة بين جمعية “شمس” بتنغير والنيابة الإقليمية للتربية الوطنية بورزازات، وجمعية “ديكنضاض” بإسبانيا، حصلت بموجبها جمعية “شمس” على كافة الموارد البشرية والميزانية التي ستحتاجها لتدبير احتياجاتها بالإضافة إلى أقسام متنقلة وتسهيلات أخرى.

في البداية لم يكن انتقاء المدرس بشكل اعتباطي، بل تم توزيع مذكرة نيابية، ترشح من خلالها أربعة أساتذة، فتم انتقاء أستاذ عازب مستعد للترحال مع الأسر الرحالة أينما ذهبت، ومستعد لتحمل صعوبات العمل وغيرها، فوقع الاختيار على “يوسف” الذي أبدى حماسا واضحا لقبول العملية.

فكرة المدرسة المتنقلة، حسب الجمعية المشرفة كانت منذ سنوات مضت، لكن الأسر الرحالة، كان من الصعب عليها تقبل الفكرة بترك أبنائهم بعيدا عنهم بدل مساعدتهم في الرعي وشؤون البيت، فدامت عملية الإقناع سنوات.

وعن مستوى التلاميذ الرحل، يقول أستاذهم “يوسف” بأنهم كلهم عزم وإرادة للتعلم، ومستواهم في تطور ولا يتغيبون عن الدروس. المدرسة المتنقلة تبدأ عملها في يونيو من كل سنة، وتتواصل الدراسة فيها إلى غاية شهر يناير، لتنتقل بعد ذلك لمكان آخر تحدده الأسر الرحالة يكون فيه كلأ الماشية متوفرا، ثم تستمر إلى غاية ماي وهو نهاية السنة الدراسية عند التلاميذ الرحل.

الأطفال رغم الدراسة التي نقلتهم من ظلمات الجهل والأمية، لا يتوانون في مساعدة أسرهم صباح مساء في الرعي أو تقديم خدمات أخرى، ذلك أن الرعي و الترحال نشاط لا يكاد يفارقهم.

التعليم خطوة، سيعطي نتائج مهمة لإنقاذ رجال المستقبل من الجهل، وفرصة لآبائهم أيضا للاندماج في المنظومة المجتمعية، علهم يخرجون من مشاكل تعيق تنقلاتهم وحياتهم الطبيعة، ذلك أن الأسر الرحالة هنا لا يعرفون عبد الإله بنكيران أو حتى معنى البرلمان، ومنهم من مازال يعتقد أن الحسن الثاني مازال على قيد الحياة، وربما قد يستغرب البعض أن محمد الخامس قد توفي منذ ستينيات القرن الماضي. لكنهم في مقابل ذلك يعرفون أن يوم الاثنين موعد السوق الأسبوعي، ويحفظون عن ظهر قلب عدد رؤوس الماشية التي يملكونها، ويتنبئون بأحوال الطقس في الأيام القادمة على غرار نشرات الأرصاد الجوية.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *