وللحديث بقية…

وللحديث بقية…

522364_292692047509516_1347268798_n

نعومة أولويز –

 بقلم : عماد العتابي –

برز مصطلح ” نعومة ” مع تولي محمد السادس سدة الحكم بالمغرب، فصار النظام بين ليلة وضحاها ناعما بشكل ملفت، وتم تجديد معظم الأساليب القديمة التي كان يتميز بها نظام الحسن الثاني بأساليب أخرى ” ناعمة “، فتحول كل شيء في البلد شبيها بمواد الإشهار الذي تبثه قنوات القطب العمومي المتجمد. فـ” نعومة  دلع ” و” نعومة  أولويز ” هي مرادفات أخرى لـ” نعومة النظام “.

لم تعد المعتقلات كما في سنوات الجمر والرصاص، حيث كانت تسلخ الجلود وتبتر الأعضاء وتقلع الأسنان والأظافر بشكل وحشي وبآلات بدائية طالها الصدأ، تزيد من آلام وآهات المعذبين. فالمعتقلات اليوم تم توسيعها وتجديد أثاثها وتم استبدال الآلات القديمة بآلات ووسائل جديدة لمساعدة الجلادين على انتزاع الاعترافات من السجناء بشكل ناعم ولطيف مع الاحتفاظ بابتسامتهم لكي لا يرعبوا المعتقلين، فالإدارة المسؤولة على الجلادين تراعي نفسية ومعنويات زوارها، وهذه الآلات ناعمة بشكل تجعلك تعترف بمجرد رؤيتك لها. فمثلا آلات سلخ الجلود تم تطويرها فأصبحت شبيهة بآلات سلخ الدجاج لكنها مطورة قليلا، حيث أضيف إليها الماء الساخن لتسهيل عملية السلخ، حيث يتم سلخ الجلود بشكل ناعم وغير مؤلم..

لن ينكر أي شخص زار هذه المعتقلات والكوميساريات الجديدة والأخرى التي تم تحديثها على مقاس النظام الجديد، التجديد الذي طال الجدران والآلات والجلادين وحتى ” الزراوط “، فأغلب المعتقلين السياسيين الذين حصل لي شرف الحديث معهم، يؤكدون أن ” زراوط ” اليوم ليست كنظيراتها بالأمس، فكما وصفها لي صديق مر يوما على يد “الكسالين” الجدد.. هي ” ناعمة ” لا تترك آثارا سطحية، تحافظ على جمال الوجه وتوازن الرأس واستقرار الأعضاء الأخرى. لكنها تهشم الجماجم وتفتت العظام وتحطم الفؤاد.

” نعومة ” تأسر عيون المنتظم الدولي وتفتح شهية المؤسسات المالية الدولية إلى إغراق الوطن في وحل الديون لابسة عباءة المساعدات الدولية وتمويل مشاريع ومخططات فاشلة من قبيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومشاريع أخرى تقتات على فتاتها جمعيات المجتمع المدني وكائنات أخرى تعيش على هكذا أموال. باسم هذه المشاريع التي في الغالب وهمية الأهداف تستفيد منها الأسر الحاكمة وشركاؤها في بيع ما تبقى من الوطن، يتم تفويت الأراضي الخصبة والسهول المترامية في أجود المواقع إلى الخواص من شركات العقار، باسم المنفعة العامة تشرعن السرقة وتنتزع الأراضي بنعومة من أصحابها، وتتحول بقدرة قادر إلى منفعة خاصة باسم شركة عقارية همها الوحيد هو تحويل الغابات والأراضي الزراعية إلى هياكل إسمنتية مهجورة. وما مشروع السواني\السفيحة ومشروع مارتشيكا والسعيدية خير شهود على نعومة منتزعي هذه الأراضي الذين باعوا الوهم لأصحاب الأرض وساكنة تلك المناطق الذين وعدوا بفرص شغل قارة وموسمية، وبسياح يحجون من كل أقطار الدنيا إلى هذه الهياكل الإسمنتية. لكن بين الأحلام والوعود الزائفة تنتحر الأماني.

استطاع النظام القائم بالبلد أن يغالط فئة واسعة من الشعب المغربي بنعومته التي يتوشح بها وبسياساته الاجتماعية التي يركز من خلالها الظهور بمظهر المعين للفقراء والمحرومين، وتلعب الآلة الإعلامية الضخمة التي تزاحم الأسر في موائد بؤسهم في نسج وحياكة غشاء كثيف على أبصار الأجيال الصاعدة لا تمزقه الأيام القليلة، بالإضافة إلى وجود جوقة من المهللين باسم الأعتاب الشريفة و”مفوضي الشعب” الذين يجندون طاقاتهم لتلميع صورة النظام.

إن الذين يتحدثون عن المغرب كاستثناء ناعم، هم في الحقيقة على صواب، فأنا شخصيا لم أسمع يوما ولم أقرأ في كتاب ما عن جهاز أمني لدولة ما  قتل 5 شبان في زهرة شبيبتهم، استعمل فيها تلك ” الزرواطة ” الناعمة التي انهالت على أجسادهم النحيفة، فأردتهم موتى، ولإبعاد الشبهة عن تلك ” الزرواطة ” الناعمة تم إيداعهم في أحد الأفران (مؤسسة بنكية بالحسيمة) لشواء لحومهم ومحو آثار الجريمة، وإلصاق تهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد بألسنة النيران وتبرئة زرواطة العهد الجديد.

لقد قيل للفقراء بطريقة ” ناعمة ” إن إرادة الشعب هي مشيئة الله، وإن الخبز اليابس والماء العكر وحزب “العدالة والتنمية” هي مشيئة الله. وبما أن النعومة هي عنوان هذه المرحلة فإن كسرة خبز يابس أصبحت أشد نعومة من فطيرة خبز طرية، فصار الفقير كقطيع سقط رهينة في يد ” نعومة ” تخفي وراءها بشاعة وغلظة وجشع منقطع النظير، وبين عبوسة النمر وابتسامة الذئب يفنى القطيع. الحاكم يدعي تمثيل الشريعة والشرعية والكاهن يدعي تمثيل الدين، وبين الاثنين تفنى الأجساد وتضمحل الأرواح، حسب تعبير جبران.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *