تأملات في السياسة الكويتية… ودور الدبلوماسية في مواجهة الأزمات

تأملات في السياسة الكويتية… ودور الدبلوماسية في مواجهة الأزمات

بقلم: محمد نعمان جلال

156الحياة مسيرة متجددة، وكذلك الأعمار شباب متجدد، والسفير محمد أبو الحسن مستشار أمير الكويت صديق زمالة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم تزاملنا في الأمم المتحدة، هو كمندوب دائم للكويت، وأنا كمندوب مناوب لمصر، وشتان بين الحالتين. الرجل الأول لوفد بلاده، وأنا في المكان الثاني لوفد مصر. وهو تخرج في الكلية ليصبح سفيراً لبلاده من بينها سفير الصين ثم مناوباً دائماً في الأمم المتحدة بنيويورك لعدة سنوات، واجه خلالها أكبر محنة في حياته على المستويين الشخصي والسياسي، وكذلك واجهت بلاده الكويت المحنة نفسها بغزو قوات العراق في عهد صدام حسين الكويت. وهنا برز دور الدبلوماسية في الدفاع عن الوطن بقوة وصلابة وثبات. المحنة على المستوى الشخصي أن يستيقظ الإنسان ليجد نفسه بلا وطن بعد أن كان وطنه ملء السمع والبصر، وليجده ليس خاضعاً للاحتلال فحسب بل إن الاحتلال قرّر محو شخصيته القانونية، وضمه عنوةً تحت دعاوى تاريخية موضع شك وتساؤل.
السفير محمد أبو الحسن بحكم حنكته وخبرته وبحكم تأهيله العلمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وهي كلية رائدة في منهجها العلمي متعدد الاتجاهات، فقسم العلوم السياسية كان يجمع بين تدريس السياسة والقانون والاقتصاد والإعلام لكي يصبح خريجها مؤهلاً للعمل السياسي، أو بالأحرى للعمل الدبلوماسي والإعلامي بوجه خاص، والقانون الدولي والاقتصاد الدولي بوجه عام… ولهذا كان محمد أبو الحسن مؤهلاً لأن يصبح سفيراً فور تخرجه، لكنه لظروف ما عمل بدرجة أقل من سفير لسنوات قلائل، ثم اكتشفت مواهبه بسرعة لكي يتسلم مهام سفارة بلاده في الصين، ثم في الأمم المتحدة.
ومحمد أبو الحسن، إنسانٌ بمعنى الكلمة، لطيف المعشر حلو الحديث عذب الكلام، محاور بارع، ومتحدث لبق، ولهذا عمل في الأمم المتحدة واختير لمواقع عدة في العمل اليومي لرئاسة العديد من اللجان ومجموعات العمل، وأخص بالذكر منها رئاسته للجنة الثالثة وهي المعنية بحقوق الإنسان في شتى مراحله سواءً طفلاً أو شابّاً أو كهلاً، سواء رجلاً وامرأة، من أوروبا أو آسيا أو إفريقيا، وبناء القدرات السليمة للإنسان بصفته كذلك بعيداً عن التمييز العنصري أو المتعلق بالجنس أو اللون، وبعيداً عن إدمان المخدرات، بل عملت اللجنة على مكافحتها، وتميزت اللجنة بأن كثيراً من ممثلي الدول فيها من السيدات وقليلاً من الرجال، وبذلك كان مناخ العمل فيها لطيفاً، وإن لم يخلُ من حدة في النقاش وتشدّد في المواقف أحياناً، تعبيراً عن توجهات الدول. وتصادف أن اختير أبو الحسن رئيساً للجنة ممثلاً عن المجموعة الآسيوية، وأنا نائباً للرئيس ممثلاً عن المجموعة الإفريقية، فأصبحنا اثنين من أبناء العروبة الصاعدة على منابر الأمم المتحدة في الوقت نفسه ومن خريجي الكلية نفسها.
المهم أن أبو الحسن عندما واجه محنة احتلال العراق للكويت كنت قائماً بالأعمال لوفد مصر، لوجود «رئيس» الوفد السفير عمرو موسى آنذاك (الوزير ثم الأمين العام للجامعة العربية لاحقاً)، في القاهرة لحضور اجتماع المؤتمر الإسلامي في أول يوم من أغسطس/ آب 1990، وفي مساء ذلك اليوم تم غزو الكويت واحتلالها، فاتصلت بزملائي في الوفد وبادرنا بالذهاب إلى مجلس الأمن في منتصف الليل، ثم تواصلت مع مندوب الكويت الدائم السفير أبو الحسن، ومندوب البحرين الدائم آنذاك السفير كريم الشكر، والمندوب الأميركي الدائم السفير توماس بيكرينغ، الذي سبق أن تعارفنا أثناء عملنا في الهند، حيث كنت مستشاراً لسفارة مصر ورئيساً لنادي شباب الدبلوماسيين، وكان هو سفيراً للولايات المتحدة، وهو شخصية بارزة في العلم والخلق والاجتماعيات، وكذلك مع السفير حسن النعمة مندوب قطر الدائم في نيويورك، الذي تزاملت معه أيضاً في الهند، عندما كان سفيراً لبلاده ويعيش في الهند حياة الثقافة والفن والأدب، وهو من الشعراء المتميزين، ولذلك كانت كلمته في جلسة مجلس الأمن المخصّصة لبحث غزو العراق للكويت، تتسم بالعمق التاريخي والفكري وجزالة اللغة وبلاغتها، وكانت ترجمتها صعبة على مترجمي الأمم المتحدة على رغم كفاءتهم، لكنها ذات دلالة واضحة في تقدير حضارة العراق ودورها، وفي الإعراب عن الصدمة لسلوك عراق صدام حسين وغزوها للكويت، التي ساندت العراق مساندةً كبيرةً في حربها مع إيران، وكذلك ساندتها دول الخليج ومعظم الدول العربية بما في ذلك مصر على رغم وجود قطيعة رسمية في العلاقات الدبلوماسية نتيجة معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.
كان أبو الحسن متميزاً في أدائه الدبلوماسي والإعلامي موضع تقدير واحترام ليس فقط من حكومة بلاده، وعلى رأسها أمير البلاد الراحل، بل وأيضاً أمير البلاد الحالي، الذي كان آنذاك نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية.
المهم ناضل أبو الحسن وقاد وفد بلاده ونشاطها في الأمم المتحدة بكفاءة واقتدار حتى تحررت وعادت إليها سيادتها، وساند معظم العرب، وفي مقدمتهم مصر، هذا الموقف ليس فقط في الأمم المتحدة والمحافل الدولية لكن بالمشاركة في قوات التحالف لتحرير الكويت، وهذا موقف مصري قومي أصيل قام به جمال عبدالناصر إثر استقلال الكويت وتهديد العراق لها تحت حكم عبدالكريم قاسم في بداية الستينات، وقام به حسني مبارك في التسعينات بغض النظر عن وضع العلاقات الدبلوماسية؛ لأن العلاقات العربية الشعبية بل والرسمية والحكومية أكثر عمقاً وثباتاً من الخلافات الطارئة، ويجب أن نقول إنه لولا قيادة مصر للعمل الدبلوماسي في القمة الطارئة للجامعة العربية عقب غزو العراق للكويت، وكذلك قرارها الانضمام إلى قوات التحالف؛ لكان الموقف أكثر صعوبة لاستعادة الكويت استقلالها، وهو، كما أوضحت، دليل على الإيمان المصري بعروبتها وقوميتها وتمسكها بالدفاع عن استقلال وعروبة البحرين، وكذلك عروبة جزر الإمارات المحتلة، وعروبة العراق الجريح تحت وطأة الطائفية. ومصر لا تعرف الطائفية والحمد لله على رغم التطورات في الشهور الأخيرة للتاريخ المصري، وهي لم تعرف الطائفية في علاقتها مع شقيقاتها من الدول العربية وهو ما اكتشفته عندما حضرت إلى البحرين ووجدت العديد من المثقفين والعلماء والأطباء والمهندسين من الطائفتين الكريمتين درسوا في مصر، التي لا تعرف مفاهيم الطائفية وهمها الأول والأخير العمل القومي العربي، والتكامل العربي، ونشر وتعميق الثقافة والتعليم في مختلف الدول العربية.
والسؤال: ما هي مناسبة هذا المقال الآن؟ أعتقد انه يعبر عن ثلاثة أمور، أولها تأكيد التوجه القومي العربي الأصيل المصري بعيداً عن أية تشوهات مؤقتة وزائلة، ثانيها ذكرى الميلاد السبعين للسفير أبو الحسن ودعواتي له بعمر مديد وحياة سعيدة وعطاء متواصل، وثالثها كما قال الشاعر العربي:

محمد نعمان جلال
صحيفة الوسط البحرينية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *