وللحديث بقية…

وللحديث بقية…

السرطان –

522364_292692047509516_1347268798_n
عماد العتابي

في أعماق نفسي ” كلمة “، لا تريد أن تسيل مع الحبر على الورق، فينوب الدمع عن الكلام، كيف أتنهدها وأنا أخاف من صدى صوتي أن يتردد على مسامع طوابير الذين لم يسمعوا بها، والذين سمعوا بها ولم يدركوا معناها بعد، كيف أرددها وأنا أخشى على الأحياء-الأموات من صدمة التذكير؟.. ” كلمة ” تزرع في قلوبنا الحزن والمعاناة والآهات، كلمة تذكرنا بـ”غاز دقة الخرذل” الذي دك به الريف من طرف الاستعمار الاسباني-الفرنسي بإيعاز وتعاون وطلب من المخزن المغربي آنذاك، “الفسفور الأصفر”، “الإلكترون”، “تلف الأعضاء”، “بتر الأعضاء” و”العلاج الإشعاعي”…

لقد ابتلينا بنوعين من السرطان، سرطان يفتك بأجسادنا وأعمارنا وسرطان يفتك بمقدراتنا وأموالنا وأحلامنا، بين هذا وذاك معاناة شعب بأكمله، معاناة الريف وكل الوطن. أركز هنا على الريف لأن أغلب حالات الإصابة بهذا المريض الخبيث هم من بنات وأبناء هذه المنقطة التي لا تنتهي معاناتها، فهي محاصرة بين مرض فتاك قاتل وبين مخزن مشارك في تفاقم هذا المرض. مرت أجيال وهذا المرض يزداد قساوة وعنادا، حتى بات زائرا ثقيلا على كل البيوت بالريف، ربما لم تستثنى عائلة واحدة من زيارة هذا الضيف القاتل، وأخص هنا منطقة الحسيمة التي تشكل نسبة كبيرة في مجمل الإصابات على المستوى الوطني. فرغم خطورة المرض والوفيات المتتالية للمصابين به، ونحن كأبناء وبنات المنطقة ندرك جيدا ما اقترفه هذا المرض فينا، فإن الدولة ووزارة الصحة تضعان نظارات سوداء فيما نزيفنا يمتد ويمتد.

كل قتلى هذا المرض هم في الحقيقة شهداء، شهداء لأنهم امتدادا لشهداء حرب التحرير الريفية، لأنهم قتلى داء حقن في التربة والجينات والمياه والنباتات، حقن من طرف طيران التحالف الاستعماري في صلب تربة الريف الطاهرة، فكبر وتطور حتى صار قاتلا مأجورا يقتل ببطء وبرودة دم. هم شهداء لأن الدولة التي حرصت على قتلنا يوما بتحالفها مع الاستعمار، هي نفسها اليوم تشارك في قتلنا لأنها لم تقدم شيئا للمصابين بهذا المرض، لم تبن مستشفيات ولم توفر لهم تغطية صحية، لم تفكر يوما في مقاضاة ذلك التحالف الفاشي الذي أمطر الريف بالقنابل الكيميائية. وكيف لها أن تقاضيه وهي نفسها التي استجدت الحماية من الاستعمار ضد المقاومة الشعبية الريفية؟ أي دولة هذه التي تحصي قتلى هذا الداء كل يوم، ولا تحرك ساكنة؟ اللهم بناء بعض الهياكل الإسمنتية التي تنعدم فيها التجهيزات الضرورية لعلاج مرضى السرطان، والنموذج المركز الجهوي للأنكولوجيا بالحسيمة الذي قيل عنه أنه متخصص في علاج المصابين بمرض السرطان، فاكتشفنا أنه فرن عصري لإحراق المرضى بالأشعة وتسريع موتهم لإنهاء معاناتهم مع المرض والفقر. فكيف لنا أن ننسى معاناة أصدقائنا وأحبتنا في مراكز الموت هذه؟؟

معاناتنا هذه فيها فوائد ومنافع لممتهني التسول الدولي، من جمعيات للدفاع عن ضحايا إلى منتديات لتقليم الأظافر، تلتئم الناحبات في عرس الذئب. ويحفر هؤلاء قبورا عميقة لشهداء الداء المزدوج، كي لا تجرف السيول قصص معاناتهم مع السرطان والمخزن، وتنشرها على ضفاف الوديان والبحيرات.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *