صريرالكلام

صريرالكلام

أسئلة محرجة على الثورات العربية…

photo_croped
ادريس عمراني

أسجل في البداية أن كلنا أو جلنا كان يأمل من الثورات العربية أكثر مما حصل . وأفضل مما وقع . لكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه .هكذا تقول قاعدة العقلاء . فتعالى معي إلى مطارحة هادئة نسائل فيها الثورات العربية ونستشف مآلاتها .
لعل سرعة ومباغثة الثورتين التونسية والمصرية أدهش العالم ، وجعل مراكز القرار في كبريات الدول تنأى مؤقتا عن التدخل المباشر فيهما . الشيء الذي أعطاهما زخما جماهيريا كبيرا ، واستقلالية شبه مطلقة في البداية .وهو ما أرغم على العدو قبل الصديق الإشادة بهما ولو مؤقتا . بينما أحنى أعداء الثورتين رأس المكر للعاصفة الهوجاء منتظرين الفرصة للإستدراك، وهو ما يتم الآن ….

هل معنى هذا أنه ليس للثورة ولا للثوار أخطاء وخطايا ؟
ولِما نزلت ” وما أصابكم من مصيبة ،بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير “؟ هكذا في رواية الإمام ورش .
إننا إن استرسلنا في ذكر متالب الثورات والثوار سنجعل المواطن العربي يكره الخروج من بيته ليس للثورة فقط بل حتى لقضاء حوائجه. فهل نحتاج التذكير بعشرات الآلاف من الشهداء ؟ هل نحتاج التذكير إلى سوء أداء الحكام الجدد والمعارضة الجديدة على السواء ؟ أم عن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للدول الثائرة ؟…
وأسئلة كثيرة بات يعرفها المواطن العادي ويكتوي بها …
لكن في المقابل : ألم يكن هذا منتظرا وغيره ؟ أليس من الوهم أن ننتظر من الثورات الوليدة أن تمطر دهبا وفضة ودولارات؟ أليس من الحمق أن نطلب ممن عاش في دهاليز القمع قرونا

أن يُحسن إدارة الحكم والمعارضة في عمر طفل وليس عمر ثورة ؟
وكما يقال : بالمثال يتضح المقال . أليس كل الناس يمدح الثورة الفرنسية التي على الأقل غيرت وجه أوروبا ؟ بلى . فهيا نُذَكِّر بها :

الثورة الفرنسية :
اندلعت عام 1789 وامتدت حتى 1799. كانت فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في فرنسا التي أثرت بشكل بالغ العمق على فرنسا وجميع أوروبا. انهار خلالها النظام الملكي المطلق الذي كان قد حكم فرنسا لعدة قرون في غضون ثلاث سنوات. إذ تم إعلان إلغاء الملكية ثم إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى في سبتمبر 1792 وأُعْدِم الملك لويس 16 في العام التالي.كما قضى بين 16,000 إلى 40,000 مواطن فرنسي في الفترة الممتدة بين 1793 و1794 على يد “لجنة السلامة العامة” إثر سيطرة روبسيبر على السلطة. استمر “التناوب” بين الحكم الملكي واستبداله بنظام جمهوري لفترات ممتدة خلال القرن التاسع عشر….

لما تُنْعَت الثورات العربية بكل نقيصة وبكل اتهام ؟
لقد أصبح في دهن جيل بعد جيل ، ومنذ قرون عدة ، أن الدهنية القطيعية هي السائدة عند العرب .ومن المستحيل أن يقول شعب عربي كلمته يوما ويفرضها. اللهم انقلابا هنا أو هناك تقوم به نخبة معينة مدعومة من جهات متحكمة في مصائر الشعوب ، ولا بأس من أن نسميها ثورة نُمَنِّي بها الحالمين ونسوق بها الغوغاء والقطيع . ونقطع بها رؤوس من يقول “لا” . وريثما تُسْتَهلك تلك الفئة فنفنيها بفئة أخرى وبنفس المعزوفة المنوِّمة …
كذلك تخيلَها “شياطينُ الهندسة السياسية ” العالمية في البداية . لكن مع مرور الأيام وظهور المؤشرات بدأ يتضح أن للعرب أيضا طموح في الحرية وفي تقرير المصير…وكيف لا يحسب لهم ألف حساب وهم حاملين لرسالة ولمشروع تاريخي إنساني يعرف العقلاءُ عمقَه وشموليته وحاجة الانسانية إليه …

الحرب الماكرة على الثورات العربية
كانت البداية بجر الثورات السلمية الكاسحة الماسحة إلى العسكرة وإلى الرصاص لأهداف منها : تعطيل السرعة المُربِكة لتجار الثورات ،تخويف الشعوب التي لمَّا تنتفضْ بعد من الثمن الباهض . وليكون هناك مجال لتدخل “الدول الحنونة على الشوب” ومن تم لَيّ عنق الثورة .جُربت هذه ” التعويذة “لكنها لم تحقق النتيجة المرجوة في ليبيا . فحاولوا تعديلها في سوريا لكن النتائج لحد الساعة مخيبة للآمال وبقي “المجتمع الدولي” مرتبكا ، ينتظر أن يفني الشعب السوري نفسه بنفسه ،بينما ينظرون أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود . والمصيبة أن سوريا على مرمى صاروخ من تل أبيب …

نظرة العاجز اليائس :
الأكيد أن الإعلام الرسمي ، وتابعه المأجور له حاجة في نفس المستبد لن يقضيها ، وهي أن يُقنع “قطيعَه ” الذي بدأ يُحدث نفسَه “بِغَزْوٍ” أن المألوف أفضل من المجهول . وليس المألوف إلا التلذذ بالقطيعية والمجهول هو مجرد الحلم بمناقشة الراعي “فين غادي بي خويا فين غادي بي ” كما فعل بعض ” موقظي الفتنة النائمة ” التي بِنَوْمِها يستريح الحاكم والمحكوم عليه بالإعدام والعدمية .
لكن العاجز ، العابد في محراب ما أسماه ابن خلدون ” دين الانقياد” و”نِحلة الغالب” يفلسف عجزه ، ويبرر موقفه جاعلا من نفسه المحور الثابت والباقي يدور حوله كالفلك . ولله در الحكمة المغربية القائلة ” اللِّي ما لْحَق العنقود ، كيقول : حامض” …وهكذا تأتي يقينيات “الفاطن” على الشكل التالي :
ــ ليس للشعوب العربية إرادة ، بل هي الفوضى الخلاقة للميركان عدو الشعوب والإمبريالية الغربية …
ــ كل ما تراه عينك إنما هو صنيعة الفبركة الإعلامية القطرية . الدولة التي أصبحت أكبر من حجمها ملايين المرات في عقل هؤلاء.
ــ كل ما تراه من اضطرابات هو مكر المخابرات الصهيونية لتتخلص من دول الممانعة…بل “وقاحة وبلاهة البعض ” جعلتهم يصدقون الهجوم الالكتروني على الدولة العبرية التي تتحكم في كل شيء…
ــ حتى وإن رأيتم الجيش الحر والثوار يزحفون على ميدان العباسية في دمشق فالأكيد أن “الأسد أو لاأحد” يستدرجهم لحتفهم الأخير على يد “حماة الديار” ـ لعلها الديار الاسرائيلية .

خلاصة القول :
الثورات العربية ثورات أصيلة المنشإ والميعاد إن شاء الله . ستجري عليها سنن الله في خلقه من مكر ومحاولة احتواء ، وسوء أداء أهلها ، وكثرة الآمال منها ، واستعجال ثمارها …
لكنها ـ بعون الله ـ مفصل تاريخي مهم في تاريخ البشرية . والخطوة الأولى في مسيرة ريادة المسلمين للعالم الحائرالذي شقي بغياب الإيمان كما قال الأمير البريطاني “فيليب”.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *