المغاربة العائدون من هولندا: تقاعد في مهب الريح

المغاربة العائدون من هولندا: تقاعد في مهب الريح

عماد العتابي:

4425791-6652717في اللقاء التواصلي الذي نظمته جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بشراكة مع أكبر النقابات الهولندية (اتحاد النقابات الهولندية) في الأسبوع الماضي، استوقفتني مداخلة عضو من الجمعية الحقوقية حول موضوع خطير يتعلق بمعاشات تقاعد عشرات العائدين من هولندا إلى الوطن الأم، فالعشرات حسب الحقوقي المغربي بهولندا تعرضوا للنصب والاحتيال بعدما قدمت لهم معلومات خاطئة من طرف صاحب مكتب للاستشارات وإعداد ملفات الفيزا والترجمة بإحدى المدن بإقليم الحسيمة.

“هبة” من السماء:

لم يكن في بال (ك.) أن الحلم سينقلب كابوسا يطارده ما تبقى من أيامه، وهو الحالم براتب شهري محترم كتقاعد من هولندا بعدما أفنى شبيبته يشقى ويتعب في الأراضي المنخفضة غير عابئ بطقسها البارد وصقيعها المنشور على دروب الحياة هناك. (ك.)  كالعشرات من أترابه الذين لم يدركوا خطورة ما أقدموا عليه، فمن سوء حظه أنه اكتشف الأمر عند فوات الأوان، اثر مراسلته لأخيه القاطن بالديار الهولندية مسائلا إياه حول تلك “الهمزة” التي سقطت عليه كـ”هبة” من السماء. ولحسن حظ الآخرين أنهم لازالوا في ” دار غفلون ” ينتظرون بترقب معاشات تقاعد لن تأتي.

اكتشاف خطير ومربح:

انتشرت كالنار في الهشيم قصة رجل خارق استطاع أن يخترق تحصينات الهلولنديين لقانونهم ويكتشف هفوة أو ثغرة في قانون بلد سبينوزا، الرجل ” السوبرمان” صاحب مكتب للاستشارات في الهجرة وإعداد ملفات الفيزا والترجمة بإحدى مدن إقليم الحسيمة، أضحى بين عشية وضحاها بطلا ورجلا مهما يتوافد عليه العشرات من مختلف مدن الشمال، فحتى (ك.)  أعجب بذكاء هذا الرجل، فقرر التوجه رأسا إلى ذلك المكتب غير عابئ بمشقة الطريق، حيث استسلم نهائيا لكلام أترابه الذين مروا من ذلك المكتب ونالوا تلك ” الهبة السماوية “، ومع كل “هبة” ينالها ضحية ما، ينتعش ” السوبرمان ” وتنتعش الحركة وفي الحركة البركة، وبركة هؤلاء المهجرين من وإلى المغرب فيها فوائد ومال كثير.

صدمة وفقدان الأمل:

رن هاتف (ك.)، تعرف على الرقم المتصل، إنه شقيقه المقيم بهولندا، استبشر خيرا واستبق السؤال عن مصدر وحقيقة ذلك المبلغ المالي الذي تحصل عليه؟ بأسف شديد أجابه شقيقه أن ذلك المبلغ هو ثمن بيعه لتقاعده، وأن أنامله التي حملت القلم لتوقع على استلام تلك ” الهبة ” قد وقعت على وثيقة بيع تقاعده.

نزل الخبر كالصاعقة على (ك.) وتقلصت ملامحه واصفر وجهه، حدث سكون عميق للحظة، لم يهضم ما قاله شقيقه رغم أن الأخير حقوقي ويشتغل في نظام المساعدات الاجتماعية بهولندا ويدرك جيدا ما أقدم عليه شقيقه (ك.)، لكن كيف له أن يصدق وهو المؤمن بقدرات وذكاء الرجل ” السوبرمان “، وبعد جهد كبير أقنعه شقيقه بالحقيقة المرة ليكتشف متأخرا أنه ضحية نصب واحتيال من طرف صاحب المكتب.

تقاعد في مهب الريح:

باع البائع واشترى المشتري، وتحولت تلك الأسنان الصفراء البارزة عند ابتسامة صاحب مكتب الاستشارات إلى أنياب الشيطان وتحولت أنامله التي نسجت فقرات الوثائق التي نصب بها على العشرات من كبار السن العائدين من هولندا إلى مخالب ذئب أجهز بها على ضحاياه الحالمين بحياة كريمة بعد سن التقاعد، بعدما قضوا عمرهم في الحقول والمزارع   يقارعون شبح الغربة والبرد القارس.

الضحية يتحدث عن العشرات من العائدين من هولندا لم يدركوا بعد أنهم فقدوا تقاعدهم وأن أغلبهم يعتبرون ذلك المبلغ الذي حصلوا عليه هو تأمين إضافي عن السنين التي قضوها في الديار الهولندية.

جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بهولندا تدخل على الخط

أكدت جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بهولندا أنها توصلت باستفسارات من مجموعة من الضحايا حول قصة ” التأمين الإضافي” التي ابتدعها صاحب المكتب، حيث يعتقد جل الضحايا الذين اتصلوا بالجمعية أن المبلغ المالي الذي توصلوا به بعد توقيعهم على وثيقة لم يفهموا فحواها هو ” تأمين إضافي ” عن سنوات تواجدهم بالديار الهولندية، وهذا ما يثبت حسب الجمعية تورط صاحب المكتب في هذه القضية. حيث عمد إلى تقديم معلومات خاطئة إلى ضحاياه للنصب عليهم مستغلا سذاجتهم وجهل أغلبهم للغة الهولندية، ليستفيد بنسبة مئوية من كل عملية بيع. وللتأكد أكثر من أقوال الضحايا اتصلت الجمعية بمجموعة من صناديق التقاعد بهولندا، لتأكد بدورها أن العديد من العائدين إلى المغرب قد وقعوا على وثيقة بيع تقاعدهم وأنهم فقدوا نهائيا الحق في معاشات التقاعد بعد سن الـ(65).

وتأكد ذات الجمعية أن صاحب المكتب كان واعيا تمام الوعي بخطورة ما يقدم عليه وأن هدفه من هذه العملية هو كسب المزيد من الأرباح والأموال.

وقد اتفقت كل من جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بهولندا واتحاد النقابات الهولندية بمتابعة هذا الملف وفضح كل المتدخلين الذين تاجروا ببؤس وسذاجة هؤلاء الضحايا.

دولة “عدنبي نسوق”:

“عدنبي نسوق” لمن لا يعرفه هو حكيم الريف، كان في شبابه يمد المقاومين بالماء والطعام والعتاد، لديه الكثير من الأقوال الخالدة في الذاكرة الجماعية المستهزئة بدولة المخزن بعد الاستقلال، ومن بين هذه الأقوال والتي تنسجم وموضوعنا هذا، قوله أن دولة قائمة على ” المخازنية” وجمع الضرائب سيشيد اثنتين مثلها..

العشرات من المواطنين تعرضوا لـ” الكريساج” في واضحة النهار وضحك عليهم وتم العبث بمصيرهم ومستقبل أولادهم والدولة نائمة على جنب الراحة وهمها الوحيد هو تحديث الزرواطة ومقاربتها من المعطلين وحركة 20 فبراير وباقي الحركات الاحتجاجية.

الجهات المختصة في مثل هذه القضايا “ما علابالهاش” أن ” الكريساج” واقع في البلاد ، وأن تحقيقا جادا ومسئولا يجب أن يفتح، وأن على هذه الجهات “المخصوصة” أن تقف بحزم على هذا الملف الخطير الذي تضرر بسببه الكثير من العائدين إلى الوطن ومازالت لائحة الضحايا مشرعة على المزيد

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *