يتيم يكتب حول المقايسة: ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة

يتيم يكتب حول المقايسة: ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة

yatiimmمحمد يتيم*

مثل عربي معروف يطلق على التمييز في البكاء على حبيب أخذه قدر الموت، بين بكاء ونواح زوجة الميت او قريبته وبين بكاء نائحة  مستأجرة. بكاء الاولى ونحيبها بكاء بحرقة حقيقية وإحساس صادق بالفراق والمه ومعاناته، ودموعها دموع حرى، وبكاء الثانية بكاء كاذب مصطنع ، ودموعها دموع اشتريت بثمن بخس دراهم معدودة .

شاهدنا وسنشاهد فيما سيأتي من سيذكرنا بهذه الحكمة العربية التي وجد لها المغاربة صيغة اخرى حين قالوا : ” ما حاس بالمزود غير لي مضروب بيه “.

مناسبة هذا الحديث ان ينبري قوم من مناضلي ” السيكار ” و” الكافيار” للدعوة او تصدر المسيرات من اجل إدانة نظام المقايسة الذي اعلنت حكومة  السيد بن كيران العودة الى العمل به كإجراء جزئي في المسار الطويل لإعادة النظر  في إهدار قدر كبير من مخصصات صندوق المقاصة في دعم محروقات تستفيد منها ليس فقط الطبقة الشعبية بالدرجة الاولى  بل أيضاً  السيارات الفارهة والسيارات رباعية الدفع التي جاء بها بعض المناضلين ” السيكار ” و ” الكافيار ” لحضور المظاهرة الاخيرة التي نظمت بالرباط الى جانب ” الحمير ” التي البست النظارات وكتب على راسها ” واش فهمتيني او لا لا ” ،  سخرية من بن كيران في  اسفاف لم تسبق له الحياة السياسية في المغرب وفي مشاهد تبعث على الغثيان.

كيف يمكن ان يكون لمن في رصيده خلال عقود من تدبير الشان العام من الفشل ما قاد البلاد الى ما نحن عليه من خلل في التوازن الموازاناتي ومخلفات كبيرة من الهشاشة والإقصاء الاجتماعيين، كيف يمكن ان تكون لهؤلاء ” الكبدة ” على الضعفاء ؟ كيف يمكن للبسطاء من الشعب ان يصدقوا ان مثل هؤلاء تحولوا الى منافحين عنه وان الامر لا يعدو ان يكون مجرد مزايدات سياسية، وخلطا للاوراق، ودخول في لعبة مكشوفة لمن لا يريدون ان يأتي للبلاد خير على يد الحكومة الحالية ؟

كيف يمكن لمن في ذمته ملفات اجتماعية ومطلبية تخص ابسط شروط كرامة العمال من قبيل الحق في الانتماء النقابي وفي التغطية الاجتماعية ان يتحدث عن المعاناة المحتملة للشعب من المقايسة التي ستشكل اضرارا بالفئات الشعبية الدنيا ؟ كيف نصدق ان الامر يتعلق بنائحة حقيقية وليس بنائحة مستأجرة تتباكى على معاناة المستضعفين ؟

فئة عريضة من المواطنين نلتقيها عرضا تعبر من شعور بالقرف بسبب ما وصله الخطاب السياسي من درجات هابطة في الإسفاف، اسفاف وصل الى حد اتهام السيد رئيس الحكومة بن كيران بالتغير لمجرد انه روض نفسه بصعوبة على ارتداء  رابطة عنق ونظارات وبدل تتناسب مع مقام رئاسة الحكومة، وعما قالوه كذبا عن مظاهر ” النعيم ” التي ظهرت عليه حين وطأت رجلاه فيلا شارع الأميرات بالسويسي، معتبرين ان مثل هذه التفاهة يمكن ان تقوم دليلا على تغير بن كيران ومن معه، وعدم إحساسه بمعاناة المواطنين وركوبهم مركب  العناد في التجاوب مع حقوقهم المشروعة  !!!

وهو قرف يزداد  حين نتذكر ما كان يقال عندما سعى بعض وزراء هذه الحكومة ان يتصرفوا على سجيتهم وبساطتهم  التي كانوا عليها، حيث رفضوا عددا من الامتيازات وركبوا النقل العمومي فتم التهجم عليهم واتهموا ب ‘ الشعبوية “.

المواطنون المغاربة البسطاء الذين ما ان نلتقيهم الا ويرفعون عقيرتهم بالدعاء قائلين : الله يعاونكم عليهم !! يفعلون ذلك لانهم يدركون بفطرتهم ان بن كيران  ورفاقه ووزراء حكومته – حتى لو لم يتمكنوا من تحقيق انجازات باهرة –  لن يخرجوا من الوزارات، وقد راكموا ثروات غير مشروعة او تحولوا الى ميليارديرات بجرة قلم اوأصحاب امتيازات او مضاربين عقاريين او اسهم في شركات عقارية او شركات للخدمات بعد ان كانوا مجرد موظفين او عمال عاديين عاديين  ؟  لا مجال إذن  للمزايدة على حزب خرج من رحم الشعب بالقدرة على الإحساس بمعاناة الشعب والاهم من هذا وذاك ان المواطنين يدركون ويميزون بفطرتهم وذكائهم بين بكاء الثكلى وبكاء النائحة المستأجرة.

لا مجال ان يصدق المواطنون ان من تحملوا خلال سنوات طويلة من التدبير  مسؤولية ما آلت اليه اوضاع البلاد والعباد مما كاد يقود البلاد الى انفجار اجتماعي وارتباك سياسي خلال سنة 2011 قد تحولوا بقدرة قادر الى مخلصين وزعماء ثوريين وقيادات يسكنها الإحساس بالالام الجماهير !!!

المواطنون بفطرتهم ومتابعتهم غير المسبوقة للشأن العام  يعلمون ان بعض من يدعي اليوم وصلا بليلى في موضوع المقايسة مشكلتهم الحقيقية  هي ان تباشر الحكومة الحالية إصلاح نظام المقاصة وتحقق الاستهداف الفئات المستضعفة ، وفي نفس الوقت تتحكم في نفقات هذا الصندوق في حدود امكانات البلاد ودون المساس بالتوازنات المالية الكبرى التى دونها لا استثمار ، ولا خدمات ولا تنمية ولا تشغيل ولا تحسين في ظروف العيش او زيادة في الاجور … الى غير ذلك من المطالب المشروعة.

لا يريدون ان تباشر الحكومة الاصلاحات لانهم حسبوها حسابا سياسويا ضيقا وهم  يظنون ان الحكومة تفكر بطريقتهم اي تحسبها بحساب الانتخابات والأصوات.

ينبغي ان يدرك المواطنون وينبغي على المناضلين من ابناء الحزب والغيورين من ابناء هذا الوطن من العقلاء والمنصفين والاقتصاديين  أن  يكونوا على بينة ويشرحوا للمواطنين ان قرارا مثل هذا ليس سوى اجراء ضمن إصلاح شامل لنظام المقاصة يقوم على إعادة توجيه نفقات هذا الصندوق نحو أهدافه الأصلية، وتدبير موارده بطريقة عقلانية تترك للدولة موارد كافية ومعقولة للاستثمار في التعليم والصحة والخدمات الأساسية التي تصب في تحسين شروط عيش المواطنين بدل استنزافها في دعم المستفيد الأكبر ليس بالتأكيد هو الفئات الأكثر حاجة إليه.

وينبغي على الجميع ان يتعاون على إنجاحه. ينبغي على المناضلين والغيورين على المصلحة العليا للوطن  ان يشرحوا للشعب ان الإصلاح الشامل لنظام المقاصة  في الاتجاه الذي يجعله محققا للغاية منه دون ان يكون على حساب استمرار قدرة الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية وتوسيعها، امر لن يمر دون تشويش ومقاومات من قبل اللوبيات المستفيدة والمزايدات السياسوية قصيرة النظر، وانه لا بديل عن اعتماد الاستهداف المباشر للفقراء والمواطنين الضعفاء والطبقات  التي في أسفل السلم الاجتماعي والعمال والموظفون البسطاء الذين يعيشون على الكفاف، ولا تكاد أجورهم  تتسع للحاجيات الأساسية لعيشهم.

وينبغي  من اجل ذلك ان تبادر الحكومة  الى التواصل مع المواطنين وشرح ابعاد اعتماد المقايسة وكيف انه اجراء  يصب في حماية القدرة الشرائية على المدى المتوسط، وفي حماية قدرة الدولة على مواصلة القيام بالخدمات الاساسية و التخفيف من الفوارق.  وينبغي ايضا الاسراع في تفعيل الاجراءات المصاحبة والإسراع بتنفيذ كل إجراءات الدعم للتخفيف من عبء الزيادة الأخيرة  والتصدي لكل محاولة لاستغلال القرار من اجل زيادات غير قانونية في الأسعار نقول ذلك ونحن متأكدون ان الشعب بفطرته وذكائه، والعقلاء ممن يفكرون في مصلحة الوطن قادرون على ان يميزوا في الموضوع الخيط الابيض من الخيط الاسود ، والحقيقة من التدليس، بين النائحة الثكلى والنائحة المستاجرة .

  *عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *